باسم الحبل.. مراسل أصم يتحدى حرب غزة بلغة الإشارة

غزة - خاص الرسالة نت

في أزقة غزة المدمرة، وأكوام الركام التي كانت يوماً منازل وأحلاماً، يمشي باسم الحبل بخطوات ثابتة، كمن يعرف تماماً أن الطريق الذي يسلكه محفوف بالموت، لكنه أيضاً الطريق الوحيد لإيصال الحقيقة. 
يرتدي خوذته وسترة الصحافة الواقية، هاتفه المحمول في يده، وكأنه سلاحه الوحيد في مواجهة آلة الحرب.
باسم (30 عاماً)، لم تمنعه إعاقته السمعية من أن يكون مراسلاً ميدانياً، بل ربما كانت هذه الإعاقة حافزاً إضافياً له ليكون "صوت من لا صوت لهم". 
منذ بدء الحرب، قرر أن يوثق قصص الجوع والنزوح والموت بلغة الإشارة، مخاطباً الصم في غزة وفي العالم، ومترجماً مشاهداته عبر صديقه محمد مشتهى.
"كنت أشوف القصف والموت، وما أقدر أظل ساكت.. كان لازم أطلع وأوصل صوتنا"، يقول وهو يحرك يديه بسرعة وحماس.

في تسجيلاته، التي يتابعها أكثر من 140 ألف شخص، تظهر غزة من زاوية مختلفة؛ ليست أرقاماً ولا بيانات سياسية، بل وجوه هزيلة لأطفال يبحثون عن كسرة خبز، نساء يصرخن على جثث أحبائهن، ورجال يجمعون ما تبقى من طحين اختلط بالرمل بعد قصف مخزن المساعدات. 
لا يكتفي باسم بالتصوير، بل يترجم المشهد فوراً، يشرح بالعربية والإنجليزية، حتى تصل القصة إلى أبعد مكان ممكن.

نزح باسم وعائلته قسراً من شمال بيت لاهيا، ليعيشوا في خيمة صغيرة داخل مدرسة بدير البلح. عامٌ ونصف من النزوح لم تكسر عزيمته، بل حولت خيمته إلى غرفة أخبار ميدانية؛ كمبيوتر محمول، بطارية تعمل بالطاقة الشمسية، وكاميرا هاتفه التي توثق لحظة بلحظة.
"كل يوم بعد التصوير، أرجع على الخيمة، أمنتج الفيديوهات، أختار اللقطات اللي بتحكي القصة، وأنشرها. يمكن حد يسمعنا"، يقول بابتسامة فيها إصرار رغم التعب.

المشهد الذي لا يغيب عن ذاكرته، كما يروي، لطفل كان يبحث بين الأنقاض عن قطعة خبز. يقول: "اقتربت منه، سألته بلغة الإشارة إذا كان جائعاً، فأومأ برأسه. تلك اللحظة شعرت أن كل ما أفعله يستحق، ولو وصل صوت هذا الطفل لشخص واحد في العالم."

ورغم أن الحرب لا تزال مستمرة، بل تتصاعد مع إقرار (إسرائيل) خطة للسيطرة على مدينة غزة، إلا أن باسم يرفض الاستسلام، حلمه بسيط في ظاهره، عظيم في معناه: "بدنا نوصل صوتنا للعالم.. بدنا نوقف الحرب.. بدنا أكل لأولادنا.. وبدنا الحياة تكون حلوة."

وفي زمن تتزاحم فيه الأخبار والصور على شاشات العالم، يثبت باسم الحبل أن الصوت لا يُقاس بالنبرة، بل بالصدق، وأن لغة الإشارة، وإن كانت بلا صوت، قادرة على اختراق أكثر الجدران صلابة، لتقول للعالم: "هنا غزة.. وهنا أناس يريدون الحياة".