في ظل المقتلة المستمرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وما تفرضه من تحديات مصيرية، يسلّط الكاتب عوض عبد الفتاح الضوء على جانب بالغ الأهمية لكنه كثيرًا ما يُغفل، وهو سلوك الأفراد في الحياة اليومية، ومدى ارتباطه بقدرة المجتمع على النهوض والمواجهة.
يشير عبد الفتاح- وهو سياسي فلسطيني من الناصرة- إلى أن سلوك الأفراد لا ينبغي أن يبقى بعيدًا عن النقد أو التبرير الدائم بالخوف من السلطة أو الإحباط من القيادات.
فالمظاهر المبالغ فيها من الفرح في الأعراس وحفلات التخرج، خصوصًا حين تُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي في ذروة المجازر، تمثل انفصالًا عن الواقع المأساوي وتناقضًا مع واجب التضامن والمقاومة.
أزمة الحراكات الشعبية
يرى الكاتب أن الحراك الفلسطيني الشعبي، رغم ما يبشّر به من وعي جماهيري، يفتقر إلى استمرارية وتطوير في التكتيكات، إذ كثيرًا ما تتبدّد طاقته بسبب غياب التنظير التنظيمي المتزامن مع الفعل الميداني.
ويشير إلى أن معظم التقييمات الأكاديمية والسياسية تأتي بعد انتهاء الأحداث، ما يحرم المشاركين من الاستفادة منها في وقتها.
يؤكد عبد الفتاح أن البحث عن أسباب القصور يجب أن يشمل الأفراد، لا أن يُختزل في نقد المؤسسات أو القيادات فقط.
ويستشهد بأبحاث أكاديميات فلسطينيات عبر "مدى الكرمل" استندت إلى علم النفس والاجتماع التحرري وأفكار فرانتز فانون، لفهم الذهنية المقيّدة بالخوف والسلبية وسبل التحرر منها. لكنه يأسف لأن هذه المعارف غالبًا ما تبقى حبيسة النخب الأكاديمية.
فجوة بين التعاطف والفعل
من خلال تجاربه وملاحظاته، يلفت الكاتب إلى الفجوة بين التعاطف الكلامي مع ضحايا الإبادة وبين المشاركة الفعلية في المظاهرات.
ويستعيد حادثة قبل عقد حين عزف شبان عن الانضمام لمظاهرة ضد هدم منازل، متسائلًا عن مدى تأثير الخوف أو ضعف الثقافة السياسية أو فقدان الثقة بالقيادة.
يرى عبد الفتاح أن المسؤولية عن تعزيز ثقافة الاحتجاج تقع على عاتق القيادات السياسية والحزبية، لكن عندما تعجز هذه القيادات، يصبح لزامًا على الأفراد الأكثر وعيًا وشجاعة أن يبادروا بتشكيل مجموعات ومبادرات، ليس فقط محليًا، بل وطنيًا، بحيث تتجاوز النشاط الثقافي والاجتماعي إلى فعل سياسي منظم.
ويتوقف الكاتب عند تجارب عالمية ملهمة في المقاومة السلمية والعصيان المدني، من هنري ديفيد ثورو وغاندي إلى مارتن لوثر كينغ، وصولًا إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى والهبة الشعبية عام 2013 التي أسقطت "قانون برافر".
ويشدد على أن هذه النماذج تؤكد قدرة الأفراد على التغيير، إذا ما توفرت الإرادة والتنظيم.
العمل من تحت لا من فوق
يشير عبد الفتاح إلى أن النجاحات الجزئية في الحراك غالبًا ما تأتي بقرارات من القيادات، لكنها تحتاج للاستمرار إلى عمل ميداني من القاعدة، عبر لجان شعبية وحلقات نقاش ونشر ثقافة الاحتجاج، وتبديد المخاوف من المشاركة.
ويختتم الكاتب بذكر مثال من رام الله، حيث يواصل مناضلون وسجناء سابقون إضرابًا عن الطعام بأسلوب التناوب، ما يثبت إمكانية الصمود في أقسى الظروف.
لكنه يحذر من أن النهوض الشعبي لن يتحقق إلا بدمج النقد الذاتي واستثمار المعرفة وتطوير العمل الميداني المتواصل، للخروج من دائرة الصدمة إلى فعل جماعي بحجم التحدي.