قائمة الموقع

غزة… أطراف وأحلام مبتورة

2025-08-14T15:02:00+03:00
خاص_ الرسالة نت

في أحد أزقة غزة المهدّمة، يجلس طفل على حجر مكسور، يتأمل ساقه المبتورة التي غطتها ضمادة بيضاء تلطخت بالتراب والدم. لا يملك كرة ليلعب بها، ولا حتى حذاءً ليحمي ما تبقى من قدمه، لكنه يملك شيئاً أكبر من سنه: نظرة شاردة تحمل ثقل الحرب، وسؤالاً بلا إجابة عن السبب الذي جعله يفقد جزءاً من جسده قبل أن يتمكن حتى من حفظ جدول الضرب.

هذا الطفل ليس استثناءً. هو واحد من 3,105 طفل من أصل ما يقارب 6,000 حالة بتر وثقتها المصادر في غزة، حيث تؤكد جميع التقارير أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، حتى صارت غزة تُعرف بأنها موطن أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث.

المشهد لا يكتمل إلا إذا تحدثنا عن النساء اللواتي يشكلن أيضاً نسبة كبيرة من حالات البتر. أم فقدت ساقها، لكنها ما زالت تمشي على عكازين في شوارع مليئة بالحفر والركام، تحاول جلب الماء أو بقايا طعام لأطفالها. صورة تجعل من الواضح أن البتر لم يترك أحداً، صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً أو أنثى.

لا توجد أرقام دقيقة تُفصل نوع البتر—سواء كان في اليد أو الساق، في الأطراف العلوية أو السفلية—لكن ما ورد في تقارير صحافية مثل "الجزيرة نت" يؤكد أن الجراح توزعت على كل أجزاء الجسد، وكأن القصف قرر أن يرسم خريطة الألم على كل أطراف البشر.

وفي صورة أوسع، إحصائيات منظمة الصحة العالمية (سبتمبر 2024) تقدم أبعاداً أكثر قسوة للمأساة:

22500 شخص في غزة يعانون من إصابات غيرت حياتهم بشكل دائم، وتحتاج إلى إعادة تأهيل.

بين 13455 و17550 حالة منها هي إصابات شديدة في الأطراف، وهي السبب الرئيسي في الحاجة إلى إعادة التأهيل، وتشمل عدداً كبيراً من عمليات البتر.

عمليات بتر الأطراف وحدها قُدرت بما يتراوح بين 3105 و4050 عملية.

التحديات التي تواجه النظام الصحي في غزة لا تقل مأساوية عن الإصابات نفسها. فالمستشفيات المدمرة، ونقص الإمدادات الطبية، وغياب الأطراف الصناعية جعلت من أي عملية علاج أو إعادة تأهيل حلماً صعب المنال. تقرير منظمة الصحة العالمية أشار بوضوح إلى أن المركز الوحيد لإعادة بناء وإعادة تأهيل الأطراف في غزة أصبح غير صالح للعمل، لتتحول الإصابات إلى جروح مفتوحة لا تجد من يضمدها.

لكن القصة الحقيقية ليست في البتر الجسدي فقط. هناك بتر آخر أكثر قسوة، يحدث في الداخل، في النفس والروح. الأطفال الذين كانوا يركضون حفاة في الأزقة صاروا يجلسون على الأرض يتعلمون المشي من جديد بأطراف صناعية غير متوفرة. بعضهم توقف عن الذهاب إلى المدرسة، ليس فقط لأن الطريق خطر، بل لأن المقاعد صارت بعيدة على جسد مثقل بالعجز.

وفي الجانب الاجتماعي، تحولت بعض البيوت إلى صمت ثقيل. أب فقد ساقيه لم يعد قادراً على إعالة أسرته. أم مبتورة تعجز عن حمل طفلها الرضيع. شاب بُترت ذراعه في بداية العشرينيات توقف عن العمل، وصار يجلس طوال النهار ينظر من النافذة، وكأن الخارج أصبح عالماً لا يخصه.

الآثار الاقتصادية كارثية. آلاف الأسر فقدت مصدر دخلها. ومع كل عجز جسدي، هناك عجز عن العمل، عجز عن توفير الطعام، عجز عن دفع ثمن العلاج. وكأن البتر كان تذكرة إجبارية إلى دائرة لا تنتهي من الفقر.

في غزة، البتر لم يعد مجرد إصابة جسدية. إنه شهادة على زمن كامل من الخذلان. كل ساق مفقودة، كل ذراع مبتورة، هي قصة حياة قُطعت قبل أن تكتمل. وبينما يواصل العالم عدّ الأرقام، يواصل الضحايا عدّ خطواتهم المفقودة، في شوارع لم تعد تحتمل المزيد من الدماء أو المزيد من العكازات.

هنا، كل طرف مبتور يروي حكاية. وكل حكاية أكبر من أن تُختصر في رقم، لكنها للأسف تبدأ وتنتهي برقم.

اخبار ذات صلة