"ما كنت أظن يوماً أن أبيعها" بهذه العبارة التي تقطر ألماً، بدأت امرأة خمسينية حديثها داخل أحد محال الذهب في سوق النصيرات وسط قطاع غزة.
أمسكت بين كفيها إسوارةً ذهبيةً صغيرة، يتلألأ بريقها لا لغلائها المادي، بل لثقلها العاطفي.
قالت وهي تضعها أمام الصائغ: “هذه ميراث الأم من ابنتها الشهيدة… لم أتوقع يوماً أن يأتي وقت لأبيعها.”
واقع الحياة في غزة، بما يحمله من ارتفاع جنوني في الأسعار وانعدام فرص العمل، دفعها في النهاية لتلك اللحظة القاسية: لحظة بيع آخر ما تبقى من ذكرى ابنتها.
في سوق الذهب بالنصيرات، يتنقل الناس بين المحال ليس للشراء كما جرت العادة في مواسم الفرح، بل للبيع.
نساء ورجال يدخلون بحذر، يحملون خواتم زواج أو أساور ميراث أو عقوداً كانت هدايا في مناسبات عائلية سعيدة، ثم يخرجون بجيوب فيها بعض النقود وقلوب مثقلة بالفقد.
يقول الحاج ضاحي أحد تجار الذهب في سوق النصيرات:
“أصبحنا نشتري من الناس أكثر مما نبيع لهم. الناس يأتون مضطرين للتخلي عن ذهبهم، لكن المشكلة أننا كثيراً ما نعجز عن الدفع لأن السيولة النقدية لدينا تنفد بسرعة.”
ويضيف: “رغم أن أسعار الذهب منخفضة الآن، وهي فرصة للتجار للشراء، إلا أن الأزمة طالت الجميع، وحتى نحن لم يعد لدينا ما يكفي من نقد لتغطية كل عمليات الشراء.”
لم يعد الذهب مجرد زينة أو وسيلة ادخار، بل أصبح آخر خطوط النجاة كل قطعة منها تحمل قصة خاتم زواج كان شاهداً على بداية حياة جديدة، قلادة من أبٍ رحل وأراد أن يترك ذكرى لابنته، إسوارة نجاح أهدتها أم لابنتها بعد التخرج، وميراث شهيدة لم تتوقع أمها يوماً أن تضطر لبيع ما تبقى لها من رائحتها، لكن الحاجة أقوى من الذكرى، والجوع أكثر قسوة من الحنين.
هذه القصص لا توثقها عدسات الكاميرات، ولا تظهر في نشرات الأخبار التي تمتلئ بأرقام وإحصاءات عن البطالة والفقر.
لكن في أسواق الذهب في قطاع غزة، تكتب يومياً شهادات صامتة عن مأساة الناس.
كل قطعة ذهب تغادر صندوقاً منزلياً هي قصة لم تُروَ، وفقدٌ آخر يضاف إلى ما عاشه الناس هنا.
غزة اليوم تعيش بين مطرقة الغلاء اضطر الناس أن يبيعوا أغلى ما لديهم، ليس من ممتلكات مادية فقط، بل من الذكريات نفسها.
وفي سوق الذهب بالنصيرات كما في باقي مدن القطاع، أصبح البريق الذي يملأ الواجهات لا يعكس ثراءً ولا رفاهية، بل يفضح وجعاً أكبر: وجع أن تتحول الذكريات إلى نقود.