رثاء الدم والكاميرا.. صحفيون يبكون زملاءهم في مجزرة ناصر

خاص_ الرسالة نت

في مشهدٍ تتقاطع فيه الدماء مع الكاميرات، تحوّل مجمع ناصر الطبي جنوبي قطاع غزة صباح الاثنين إلى ساحة موت جماعي، استشهد فيه 20 فلسطينيًا على الأقل، بينهم أربعة من الصحفيين الذين ظلوا حتى اللحظة الأخيرة يوثّقون الحقيقة بعد عامين من الإبادة المستمرة.

الغارتان المتتاليتان اللتان استهدفتا الطابق الرابع من المستشفى ثم محيطه عند وصول طواقم الإسعاف والإنقاذ، لم تترك فرصة للنجاة. فبينما كانت العدسات منصوبة لتوثيق المأساة، ارتدت الكاميرات دماء أصحابها.

محمد سلامة، مصور قناة الجزيرة، الذي حمل الكاميرا في كل جولة من جولات العدوان، توقّف قلبه فجأة على درج ناصر وهو يصوّر اللحظات الأخيرة. 

إلى جانبه كانت مريم أبو دقة، المصورة التي لم تغادر خطوط النار طيلة شهور الحرب، تحمل كاميرتها الصغيرة لتوثّق، لكنها رحلت مع الصورة الأخيرة.

أما حسام المصري الذي لطالما وثق تقارير من قلب الميدان، فقد سقط هذه المرة شهيدًا إلى جانب الميكروفون الذي حمله، فيما أنهى معاذ أبو طه –الصحفي الشاب– رحلته القصيرة مع مهنة المتاعب بأكبر تضحية ممكنة.

زملاؤهم لم يجدوا ما يقولونه إلا البكاء والكلمات الموجعة، فهذا الصحفي وائل الدحدوح، الذي فقد من قبل عائلته وزملاءه واحدًا تلو الآخر، كتب: "ثمن الحقيقة في غزة باهظ جدًا، والمقتلة ضد الصحفيين لا تتوقف.. رحمكم الله".

فيما كتبت الصحفية رزان الحاج: "تنكمش قائمة الصحفيين في غزة، وأخشى أن يأتي يومٌ تتلاشى فيه".

الصحفية أمل حبيب كتبت بمرارة: "ما تبقى منّا اختاروا له أن يُقتل أمامكم، على الهواء مباشرة، لا مونتاج ولا مؤثرات، فقط الروح وهي تغادر الجسد".

أما محمد هنية فوصف المشهد بأنه "مجزرة بشعة مؤلمة بحق زملائنا، كل واحد فيهم كان يحلم أن يبث خبرًا عن وقف الحرب، قبل أن يصبح هو نفسه الخبر".

الدكتورة أميرة النحال من داخل المستشفى، صوّرت الواقع الأشد قسوة: "سلالم المستشفى تحولت إلى نعوش مفتوحة، الشهداء متكدسون فوق بعضهم، كأن الأرض ضاقت بهم حتى في موتهم".

 

كاميرات أُطفئت بالدم

الصحفي يحيى اليعقوبي قدّم وصفا دقيقا: "كان الصحفيون الأربعة يصعدون سلما خارجيا لتوثيق المجزرة، وبقربهم الدفاع المدني والطواقم الطبية، ثلاث مهن إنسانية محمية بموجب القانون الدولي. فجأة استُهدفوا جميعًا، والبث المباشر التقط لحظة الموت". 

وأضاف متسائلًا: "رويترز التي انحازت للرواية الإسرائيلية، هل ستقتنع الآن بعدما قُتل مصورها حسام المصري برصاص نفس الجهة؟".

الصحفي باسل خلف لخص المأساة: "الصحفيون ليسوا أرقامًا.. نحن نعرف حسام ومريم ومحمد ومعاذ، نعرف قصصهم وحجم الفقد".

أما الكاتب يسري الغول فأشار إلى البعد القانوني: "الاستهداف المتعمد للصحفيين انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف. تخيلوا لو أن روسيا فعلت ذلك مع صحفيين أوكرانيين، هل كان العالم سيصمت؟".

 

جريمة مكتملة الأركان

وزارة الصحة في غزة أعلنت أن الحصيلة بلغت 20 شهيدًا، من بينهم الصحفيون الأربعة، إضافة إلى عنصر من الدفاع المدني –سائق الإطفاء عماد الشاعر– وإصابة سبعة آخرين من طواقم الإنقاذ، فضلاً عن مرضى ومصابين كانوا داخل المجمع.

المجزرة التي التقطت تفاصيلها على الهواء مباشرة، لم تترك مجالًا للإنكار أو تبرير "الخطأ غير المقصود". فالحقيقة هذه المرة نُقلت بدماء الصحفيين الذين كانوا شهودًا على المجزرة، قبل أن يصبحوا هم جزءًا منها.