يواصل الجدل الداخلي في "إسرائيل" حول مآلات الحرب على قطاع غزة الكشف عن عمق الخلافات بين مكونات المنظومة السياسية والعسكرية، وعن حجم المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه حكومة بنيامين نتنياهو.
المقال التحليلي للكاتب أنطوان شلحت يضع أمامنا صورة مركبة للصراع الدائر بين رئيس الحكومة من جهة، والمؤسسة الأمنية والعسكرية من جهة أخرى، ويبرز ما قد يترتب على خيار احتلال غزة من أثمان باهظة، حذّر منها كبار العسكريين والمحللين الإسرائيليين.
نتنياهو بين الحرب والمفاوضات
يرى شلحت أن نتنياهو مصرّ على مواصلة الحرب، مروّجًا لفكرة أنها السبيل الوحيد لاستعادة الأسرى الإسرائيليين وتحقيق الحسم العسكري مع حركة حماس.
غير أنّه لا يقدّم أي رؤية واضحة أو خطة عملية تشرح كيف سيتحقق هذا الهدف، لا أمام الرأي العام ولا أمام شركائه السياسيين ولا حتى أمام قيادة الجيش.
فبينما يعلن التمسك بمساري المفاوضات والحرب معًا، يطبّق فعليًا مسار الحرب ويُعطّل المفاوضات، في خطوة تعكس توجهاً أحاديًّا يفاقم الانقسام الداخلي.
واشنطن بوصلته
يكشف المقال أن نتنياهو لا يضع في حساباته إلا ما وصفه مقرّبون منه بـ "حرارة البيت الأبيض"، في إشارة إلى مزاج الإدارة الأميركية.
وطالما استمرت رياح الدعم من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فإن الحرب ستبقى مستمرة. لكن في حال غيّر ترامب موقفه، فمن المرجح أن تتوقف "إسرائيل".
هذه المعادلة تُظهر أن قرار الحرب لم يعد نابعًا من اعتبارات داخلية إسرائيلية فقط، بل أصبح رهينة المزاج السياسي في واشنطن.
الجيش: خطة "فخ مميت"
يشير شلحت إلى أن قيادة الجيش الإسرائيلي تصطدم بخطة نتنياهو لاحتلال غزة، محذّرة من أنها قد تتحول إلى "فخ مميت".
فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع ضمان حياة الأسرى أو منع مقتلهم، ولا تقدر على خوض معركة في غزة من دون سقوط أعداد كبيرة من الجنود.
كما أن إجلاء مليون فلسطيني يرفض أغلبهم مغادرة منازلهم يبدو مهمة شبه مستحيلة.
كذلك، لا يملك الجيش جداول زمنية واضحة لإنهاء القتال أو "تطهير" الأنفاق تحت الأرض. هذه المعطيات جعلت رئيس الأركان يصف الخطة بأنها تهديد وجودي قد يجرّ إسرائيل إلى كارثة سياسية وأمنية وأخلاقية.
خمسة أثمان باهظة
بحسب تقارير متطابقة لمراسلين عسكريين، نقل شلحت تحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن احتلال غزة سيجلب خمسة أثمان باهظة، يصعب على "إسرائيل" تحمّلها:
1. التنازل العملي عن الأسرى: لأن استمرار الحرب قد يودي بحياتهم.
2. مقتل جنودٍ كُثر في المعارك داخل القطاع.
3. ارتفاع الكلفة الاقتصادية للحرب بشكل هائل.
4. إرهاق الجيش طويل الأمد، عبر استنزاف قوات الاحتياط والجنود النظاميين.
5. التدهور السياسي والقانوني الذي قد يفضي إلى تحويل إسرائيل دولة منبوذة عالميًا.
هذه الخلاصة تعكس قناعة المؤسسة العسكرية بأن الاحتلال المباشر سيضع "إسرائيل" في وضع أسوأ مما هي عليه الآن.
كلاوزفيتز و"الثالوث المفقود"
لإضفاء بعد فلسفي وتاريخي على النقاش، يستحضر الكاتب مقولة للمؤرخ العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز الذي شدّد على أن أي حرب لا تصل إلى نقطة الحسم إلا إذا التفت حولها ثلاثة عناصر: الشعب، الجيش، والحكومة. في بدايات الحرب على غزة، بدا أن "إسرائيل" تمتلك هذا الالتفاف، لكن بعد مرور نحو عامين لم يتحقق الحسم.
اليوم، ومع انقسام المجتمع الإسرائيلي، واعتراض الجيش، وفقدان الحكومة ثقة الداخل والخارج، ومع تآكل الشرعية الدولية، يبدو أن "إسرائيل" فقدت هذا "الثالوث" ولم يعد بالإمكان استعادته بسهولة.
يخلص أنطوان شلحت في مقاله إلى أن خطة احتلال غزة ليست مجرد مغامرة عسكرية، بل قد تكون مقامرة وجودية تهدد "إسرائيل" من الداخل والخارج.
ففي ظل انقسام الشعب، اعتراض الجيش، وتآكل الشرعية، يصبح من المشكوك فيه تحقيق أي حسم عسكري، بل ربما تجد "إسرائيل" نفسها أمام انهيار استراتيجي يفقدها ما تبقى من صورتها العالمية، ويحوّلها إلى دولة منبوذة.