شرق غزة تحت النار..صرخات من قلب المشهد

خاص_ الرسالة نت

الساعة تشير إلى الواحدة والنصف بعد ظهر السبت، والشرق الغزّي يختنق تحت نيران كثيفة.

منذ الليلة الماضية، لم تهدأ الطائرات الحربية، ولا المدافع، ولا الطائرات المسيّرة التي تحوم في السماء كعيون قاتلة، تبحث عن أي حركة لتصبّ نيرانها. جباليا النزلة، الزرقا، وأبو إسكندر تتحول إلى مسرح للهدم الممنهج، حيث تتساقط المنازل، واحدًا تلو الآخر، كأوراق تُقتلع في عاصفة لا ترحم.

خلف مسجد سعيد صيام في منطقة الشيخ رضوان دوّت سلسلة انفجارات متتابعة؛ أكثر من خمسة "روبوتات" فجّرتها قوات الاحتلال لتفتح طريقًا من النار. وفي الصباح، واصل الجيش الدفع بالمزيد من هذه الآلات خلف المحمص القديم، فيما الجرافات العسكرية تعمل على شق طرق جديدة، تربط بين النزلة والبلد، وصولًا إلى دوار أبو شرخ، ثم إلى المواقع العسكرية شرق جبل الصوراني وجبل الريس.

صورة واضحة لطوقٍ حديدي يُرسم حول المدينة، حلقة بعد أخرى، حتى لا يبقى للناس مخرج.

الغارات من طائرات الـF16 لم تتوقف، والمنازل في النزلة وأبو إسكندر تلقت الضربات كأنها مستهدفة بيتًا بيتًا. وفيما السماء تغطيها سحابة دخان سوداء، يظلّ القصف المدفعي يصمّ الآذان، وكأن الاحتلال يصرّ على إبقاء كل شارع تحت سيطرة نارية خانقة.

لكن ما هو أشدّ من وقع القذائف، هو صوت الجوع والعطش الذي يتردّد بين جدران البيوت المحاصرة.

في أبو إسكندر، هناك عائلات لا تستطيع الخروج، ليس لأن الطريق مقطوع فقط، بل لأن الموت يترصّدهم في كل خطوة. الخدمات انقطعت تمامًا: لا ماء صالح للشرب، لا ماء للاستخدام، لا طعام ولا خبز. من تبقّى في بيته يعتمد على فتات قديم، على بقايا طحين إن وجد.

أي محاولة للخروج بحثًا عن الماء أو الطعام هي مخاطرة مؤكدة، إذ لا أحد يعود تحت هذا الغطاء الناري الكثيف.

تتردّد في الداخل أسئلة مؤلمة من أفواه الأطفال: "هل سنبقى هنا حتى نموت؟"

وحدها صرخات الأمهات تجيب، صرخات صامتة تُدفن في الصدور، لأن الكلمات لم تعد تكفي.

الوضع الإنساني بلغ ذروته: من بقي سيواجه ثلاثة احتمالات لا غير؛ الموت قصفًا، أو الموت جوعًا، أو الموت عطشًا. شرق غزة الآن ليس مجرد جغرافيا، بل جرح مفتوح على وجه الحصار، ينزف دون توقف.

بين النزلة وأبو إسكندر، حيث الطرق الجديدة تُشقّ بالحديد والنار، وحيث البيوت تتهاوى، وحيث العائلات محاصرة بلا خبز ولا ماء، تُكتب فصول مأساة أخرى من مأساة غزة، صرخة عالية لا يسمعها إلا من يعيشها.