بينما يبحر "أسطول الصمود العالمي" من موانئ أوروبا في رحلة محفوفة بالتحديات لكسر الحصار عن قطاع غزة، تعيش "إسرائيل" في الداخل على وقع احتجاجات غير مسبوقة ضد حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، التي ترفض حتى الآن مقترحات الوسطاء لوقف إطلاق النار والتوصل إلى صفقة للإفراج عن المحتجزين.
هذا التوازي بين فعل التضامن العالمي وضغط الشارع الإسرائيلي يكشف صورة مركبة للأزمة الممتدة منذ ما يقارب العامين، ويضع نتنياهو أمام معضلة داخلية وخارجية في آن واحد.
وشهدت القدس المحتلة اليوم الأربعاء موجة احتجاجات واسعة، انطلقت أمام مقر إقامة نتنياهو وامتدت إلى منازل وزراء ومسؤولين في حكومته. أشعل المتظاهرون إطارات وأغلقوا طرقات، واتهموا رئيس الحكومة بالتخلي عن الأسرى في غزة، والمضي في حرب "بلا أهداف واضحة".
عائلات الأسرى، التي نظّمت ثلاثة أيام من الاعتصامات والتظاهرات، رفعت لافتات تندد بتعنّت نتنياهو و"قتله" لأبنائهم بتركهم في الأسر. وأكد المحتجون أنّ استمرار الحرب لا يعني سوى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية، دون تحقيق أي نتائج ملموسة بعد 22 شهراً من القتال.
الانقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية
ما يزيد من الضغط على نتنياهو أنّ الانقسام لم يعد محصوراً في الشارع، بل وصل إلى صفوف النخبة السياسية والعسكرية.
صحيفة نيويورك تايمز الأميركية كشفت أنّ رئيس الأركان إيال زامير، ورئيس الموساد دافيد برنيع، ووزير الخارجية جدعون ساعر، من بين معارضي خطة نتنياهو التي تصر على اتفاق شامل يطلق المحتجزين دفعة واحدة وينهي الحرب بشروط إسرائيلية.
هؤلاء يدعون إلى حل تدريجي يبدأ بهدنة مؤقتة، محذرين من أنّ احتلال مدينة غزة سيستنزف الجيش، ويعرض المحتجزين للخطر، ويجعل "إسرائيل" عالقة في إدارة مليوني فلسطيني تحت الحصار.
أسطول الصمود: رسالة من البحر إلى العالم
وفي الوقت الذي تنشغل فيه "إسرائيل" بأزماتها الداخلية، يبحر "أسطول الصمود العالمي" باتجاه غزة، بمشاركة نشطاء من قارات مختلفة.
يحمل الأسطول معه مواد إغاثية رمزية، لكن رمزيته الأهم هي كسر عزلة غزة وتذكير العالم بأنّ هناك أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت حصار خانق منذ 18 عاماً.
تزامن انطلاق الأسطول مع تصاعد النداءات الدولية لوقف الحرب، وهو ما يجعل منه جزءاً من موجة ضغط عالمية تتكامل مع الاحتجاجات داخل "إسرائيل".
فإذا كان الشارع الإسرائيلي يطالب بصفقة تُنهي معاناة عائلاته، فإنّ المتضامنين عبر البحر يرفعون صوت الفلسطينيين الذين يُتركون لمصيرهم بين الموت جوعاً أو تحت القصف.
الوساطة القطرية وتعنت "إسرائيل"
في الخلفية، يواصل الوسطاء، وعلى رأسهم قطر، جهودهم لاستئناف المفاوضات. المتحدث باسم الخارجية القطرية أكد أنّ حماس أبدت موافقة على مقترح لهدنة لمدة 60 يوماً تشمل إطلاق سراح أسرى مقابل إدخال مساعدات إنسانية واسعة، لكن "إسرائيل" لم ترد حتى الآن.
هذا الرفض يعكس حسابات نتنياهو السياسية، الذي يحاول ربط أي خطوة إنسانية بصفقة شاملة، رغم المعارضة الداخلية والدولية المتزايدة.
وتكشف التطورات الأخيرة عن معادلة جديدة: تضامن عالمي يتجسد في "أسطول الصمود"، وضغط شعبي داخلي في "إسرائيل" من خلال الاحتجاجات، وانقسام حاد بين القيادة السياسية والعسكرية.
كل ذلك يضع حكومة نتنياهو أمام عزلة غير مسبوقة، ويعيد التأكيد على أن الحرب على غزة لم تعد شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل أزمة عالمية بامتياز.
ومع استمرار تعنت نتنياهو، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يدفعه الضغط المركب من الداخل والخارج إلى التراجع، أم أنّه سيواصل المقامرة بمستقبل "إسرائيل" وغزة معاً؟