في تصعيد وُصف بأنه الأخطر منذ بدء العدوان، صعّد الاحتلال ( الإسرائيلي) من استخدام ما يُعرف بـ"العربات المتفجرة" في مدينة غزة وشمال القطاع، في مشهد يرقى – بحسب خبراء – إلى استخدام أسلحة دمار شامل ضد المدنيين العُزّل.
عربات الإبادة الجماعية
هذه العربات، المحملة بأطنان من المتفجرات، تُطلقها قوات الاحتلال عن بُعد لتفجير الأحياء المكتظة، ما يؤدي إلى انهيار مبانٍ كاملة فوق ساكنيها. وخلال ثلاثة أسابيع فقط، وثّقت جهات حقوقية فلسطينية استخدام الاحتلال 80 عربة متفجرة، ما أدى إلى تدمير واسع النطاق في المناطق السكنية، ووقوع مئات الضحايا بين شهيد وجريح.
الكاتب والمحلل السياسي محمد مصلح يرى أن "هذا السلاح ليس موجهًا لميدان قتال، بل لقتل جماعي واسع"، مضيفًا أن "آلية تفجير الأحياء عبر هذه العربات تكشف أن الاحتلال يتعامل مع غزة كساحة إبادة، وليس كساحة مواجهة عسكرية تقليدية".
ويشير مصلح إلى أن خطورة هذا السلاح تكمن في أنه يُحوّل المدنيين إلى الهدف المباشر، في انتهاك صارخ لكل قواعد الحرب.
سابقة خطيرة في تاريخ الحروب
الخبير في القانون الدولي صلاح عبد العاطي يؤكد أن "استخدام العربات المتفجرة ضد المدنيين يُصنّف ضمن جرائم الحرب الكبرى، ويرقى إلى توصيف أسلحة دمار شامل لأنها تستهدف مساحات واسعة وتُخلّف خسائر بشرية جماعية".
ويضيف أن "إدخال هذا السلاح إلى ميدان غزة يشكّل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام دول أخرى لشرعنة أدوات إبادة في نزاعاتها".
ويحذّر عبد العاطي من أن الصمت الدولي إزاء هذه الممارسات "يعني منح الاحتلال رخصة مفتوحة للقتل"، موضحًا أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن يتحملان مسؤولية مباشرة عن استمرار هذه الانتهاكات التي تخرق ميثاق جنيف الرابع.
خطر يهدد أكثر من مليون فلسطيني
ومع تمسّك أكثر من مليون فلسطيني بالبقاء في مدينة غزة والشمال، يحذّر ناشطون حقوقيون من أن "العربات المتفجرة" تمثل تهديدًا وجوديًا مباشرًا على السكان، حيث يمكن لعربة واحدة أن تنسف عشرات المنازل دفعة واحدة، ما يجعلها أكثر فتكًا من الغارات الجوية التقليدية.
ويضيف الناشطون أن إصرار المدنيين على الصمود في بيوتهم، رغم الرعب الذي تسببه هذه الانفجارات العملاقة، يعكس أن الاحتلال لم ينجح في تحقيق هدفه الرئيسي: تهجير السكان قسرًا وإفراغ المنطقة.
تكتيك يكشف فشل إسرائيل
المحلل السياسي المصري علي فوزي يقول إن "الاحتلال لم يعد يبحث عن أهداف عسكرية، بل يسعى إلى صناعة صدمة جماعية تُجبر الناس على الرحيل، وهو تكتيك يعكس فشل ( إسرائيل) في فرض مشروعها على الأرض عبر القوة العسكرية التقليدية".
ويضيف أن استخدام هذا النوع من الأسلحة "يكشف ارتباك المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية )التي تحولت من استهداف البنية التحتية للمقاومة إلى سياسة الأرض المحروقة ضد المدنيين، في محاولة يائسة لفرض معادلة استسلام على شعبٍ أثبت أنه عصي على الانكسار".
غزة حقل تجارب عسكري
ويرى مراقبون أن إدخال "العربات المتفجرة" إلى ساحة القتال لا يهدف فقط إلى تدمير الأحياء، بل يشكّل أيضًا تجربة ميدانية لأسلحة جديدة قد تُسوّقها إسرائيل لاحقًا في أسواق السلاح العالمية، باعتبار غزة "المختبر الحي" لابتكاراتها القتالية، وهو ما يضاعف من خطورة هذه الممارسات التي تمزج بين الإبادة البشرية والمكاسب التجارية.