شهدت السنوات الماضية تصاعدًا في استهداف التعليم في القدس، وسخّرت سلطات الاحتلال مختلف أدواتها لكي تسيطر على التعليم، وتدفع الطلاب الفلسطينيين في القدس المحتلة إلى الانضواء تحت مظلة المدارس التابعة لها. وتسعى سلطات الاحتلال إلى التحكّم بكل مفاصل الحياة في القدس المحتلة منذ عام 1967، بما يشمل القطاعين الصحي والاقتصادي وصولًا إلى قطاع التعليم، الذي تعرّض على مدى سنوات الاحتلال إلى سلسلة إجراءات ترمي إلى فرض السيطرة عليه، مستفيدة من واقع متشظٍ وغياب مرجعية واحدة، ضمن مخططات وإجراءات تستهدف الوصول إلى تحكّم كلي بهذا القطاع.
وفي سياق تسليط الضوء على ما يعانيه قطاع التعليم في القدس المحتلة، يقدّم هذا المقال إطلالة على جملة من المستجدات والقرارات والإجراءات الأخيرة.
توزيع الطلاب والمدارس في القدس: صورة متشظية
قبل الخوض في تطورات استهداف قطاع التعليم، من المهم التنويه إلى توزيع المدارس والطلاب في الشطر الشرقي من القدس المحتلة. ووفق معطيات نشرتها منظمة “عير عميم” الحقوقية الإسرائيلية في تقريرها الأخير قبيل بدء العام الدراسي، استنادًا إلى بيانات من بلدية الاحتلال ومصادر أخرى، يتأكد ترسّخ تنوّع مرجعيات المدارس الفلسطينية وتشظّي الطلاب بين أنواعها.
يبلغ عدد الطلاب الفلسطينيين في سنّ التعليم نحو 139,877 طالبًا (من 3 إلى 18 عامًا).
التعليم العربي “الرسمي” (يتبع لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف): نحو 53,329 طالبًا (نحو 38.1% من الإجمالي المذكور في النص).
التعليم العربي المعترف به (مدارس الأوقاف والمدارس الخاصة وغيرها): نحو 54,068 طالبًا (38.7%).
خارج الأطر التعليمية الرسمية والمعترف بها: نحو 32,480 طالبًا (23.2%).
ويشير التقرير إلى أن هذه الفئة الأخيرة ليست بالضرورة متسرّبة من التعليم، بل تتوزع كالتالي:
15,000 طالب في مدارس خاصة لا تعترف بها سلطات الاحتلال.
800 طالب في أطر وزارة العمل.
3,000 طالب تسربوا بالكامل (3–4% من مجمل الطلاب، وهو ضعف المعدل العام في “إسرائيل” وفق “عير عميم”).
4,400 طفل في رياض أطفال خاصة أو لم يلتحقوا بعد بالتعليم.
نحو 9,949 طالبًا يتلقون تعليمهم في الضفة الغربية أو أطر أخرى (مؤسسات خيرية، انتقال أسر خارج القدس).
كما كشفت المعطيات عن تباين في المناهج بين المنهاج الإسرائيلي “البجروت” والمنهاج الفلسطيني “التوجيهي”، مع مدارس تعتمد المنهجين معًا. وتحاول سلطات الاحتلال فرض المنهاج الفلسطيني المحرّف على المدارس المتمسكة بالمنهاج الفلسطيني، ضمن محاولاتها لتشويه المضامين الدينية والوطنية.
عدوان متصاعد على التعليم
استهداف المدارس بعد الثامن من أكتوبر/تشرين الأول
مع بدء العدوان على غزة، تصاعد استهداف المدارس في شرقي القدس. فقد اتخذت وزارة المعارف في حكومة الاحتلال جملة خطوات لتشديد الخناق على المدارس الفلسطينية، خصوصًا الخاصة التي تتلقى تمويلًا من الوزارة، لمنع تدريس المنهاج الفلسطيني. شملت الإجراءات حملات تفتيش فجائية (بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ونهاية مارس/آذار 2024) تخلّلها اقتحام الصفوف وتفتيش الحقائب والاطلاع على الكتب والوثائق الإدارية. أعقب ذلك وقف تمويل مؤقت لمدارس عديدة، وتحقيقات مطوّلة مع مسؤوليها ومشرفيها، مع تهديدات بإلغاء التراخيص والمنع من العمل.
إغلاق مدارس وكالة الأونروا
سعت أذرع الاحتلال منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لإنهاء عمل وكالة “الأونروا” في الأراضي الفلسطينية، وتصاعد الاستهداف وصولًا إلى قرار الكنيست في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024 بحظر عمل الأونروا في القدس. وفي 8 مايو/أيار 2025 اقتحمت قوات الاحتلال برفقة موظفين من وزارة المعارف المدارس التابعة للأونروا، وعلّقت أوامر إغلاق نهائي لمدارس في مخيم شعفاط ووادي الجوز وصور باهر وسلوان.
فُرض على إدارة مدارس الأونروا في مخيم شعفاط نقل الطلاب إلى مدارس بلدية الاحتلال، ومنع مديري المدارس والطلاب والأهالي من استخدامها لأي غرض تحت طائلة اتهامات جنائية. وقد أدى الإغلاق إلى تشتيت الطلاب ودفع عدد كبير منهم للالتحاق بمدارس “البجروت” نتيجة النقص المتفاقم في الغرف الصفية. ويعاني نحو 150 طالبًا من أصحاب لمّ الشمل من إشكالات قانونية تعوق التحاقهم بمدارس خارج المخيم.
إخلاء مدرسة سلوان الإعدادية للبنين
في منتصف أغسطس/آب 2025 قررت بلدية الاحتلال ووزارة المعارف إخلاء مدرسة سلوان الإعدادية للبنين (نحو 600 طالب) ونقلهم إلى مبنى “المدرسة الشاملة” في حيّ سويح/رأس العمود، ما يضاعف الاكتظاظ ويؤثر على العملية التعليمية. وتشير مصادر مقدسية إلى أن الهدف تحويل المبنى إلى مدرسة مختلطة تُدرّس المنهاج الإسرائيلي “البجروت”. أعلنت اللجنة المركزية لأولياء أمور طلاب سلوان الإضراب ضمن سلسلة تحركات.
التعليم في الخطط الخمسية الإسرائيلية
تشكّل الخطط الخمسية ميزانيات إضافية تُقرّها حكومة الاحتلال للمشاريع التهويدية واستهداف قطاعات التعليم:
الخطة الأولى (13 مايو/أيار 2018): إجمالي 2.3 مليار شيكل، منها نحو 445 مليون شيكل لقطاع التعليم.
الخطة الثانية (أُعلنت في 20 أغسطس/آب 2023): “الخطة الخمسية لتطوير شرقي القدس” بالشراكة بين رئاسة الوزراء ووزارة القدس وبلدية الاحتلال، خصصت 3.2 مليارات شيكل (نحو 845 مليون دولار) للتنمية في الشطر الشرقي، مع نحو 800 مليون شيكل (حوالي 211 مليون دولار) لتهويد التعليم وزيادة الملتحقين بالمناهج والبرامج الإسرائيلية ودمجهم في الأكاديمية وسوق العمل.
من أبرز البنود تخصيص 507 ملايين شيكل (حوالي 134 مليون دولار) لما يسمى “العمالة والتنمية الاقتصادية”: رفع أعداد المشاركين في مراكز التوجيه المهني، تعزيز التعليم التكنولوجي، وزيادة طلاب المدارس المهنية عبر افتتاح مدارس جديدة. ويظهر التوجّه إلى ربط المقدسيين بمنظومة العمل الإسرائيلية وتحويلهم إلى “عمالة تكنولوجية رخيصة”.
"عير عميم": التعليم في القدس معركة مفتوحة
يوثق تقرير “عير عميم” نقصًا حادًا في الفصول الدراسية في شرقي القدس يبلغ نحو 1,461 فصلًا. وعلى الرغم من وعود كثيرة، لم يُبنَ سوى 20 صفًا جديدًا مقابل وعود ببناء نحو 1,200 صف. وتستغل بلدية الاحتلال هذا النقص للضغط على الأهالي والمدارس، إذ تشترط بناء الفصول والمدارس الجديدة بالعمل حصريًا وفق المنهاج الإسرائيلي.
وارتفع عدد الطلاب الفلسطينيين الملتحقين بـ“البجروت” في عام 2024–2025 إلى نحو 22,966 طالبًا (حوالي 27% من الفئة العمرية 6–17 عامًا). ومع إغلاق مدارس الأونروا ونقل الطلاب، يُتوقع ازدياد الملتحقين بمدارس “البجروت”، وهو هدف مركزي لمخططات الاحتلال الخمسية (2024–2029)، بما يقرّب السيطرة الكاملة على التعليم.
كما وثّق التقرير جملة قوانين ضد النظام التعليمي الفلسطيني والعاملين فيه، أبرزها:
يناير/كانون الثاني 2025: دخول قانون حظر أنشطة الأونروا حيّز التنفيذ، ما أدى إلى إغلاق مدارس الوكالة وإضرار بنحو 1100 طالب.
“قانون مضايقة المعلمين”: يمنح وزير التربية صلاحية سحب التمويل ومنع توظيف المعلمين بناءً على آرائهم المعلنة.
يوليو/تموز 2025: اقتراح قانون يمنع توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية في مدارس الوزارة والبلدية، ما يفاقم نقص الكادر التعليمي.
لماذا يريد الاحتلال السيطرة على قطاع التعليم؟
تسعى سلطات الاحتلال إلى فرض سيطرة كاملة على المنظومة التعليمية في القدس المحتلة، وإن عجزت عن السيطرة المباشرة تلجأ إلى إجبار المدارس على تبنّي المنهاج الإسرائيلي ومنع أي مناهج تحمل مضامين دينية ووطنية وفكرية وأخلاقية أصيلة متصلة بفلسطين والقدس والأقصى. ويخفي هذا التوجه أهدافًا عميقة لـ“أسرلة” التعليم، أبرزها:
1. فرض الرواية الصهيونية للتاريخ والمكان: ترسيخ سردية “الحق التاريخي والديني” وإعادة كتابة التاريخ بمنظور استعماري يمحو الرواية الفلسطينية والعربية والإسلامية.
2. طمس الهوية الوطنية والوعي الجمعي: إقصاء المحتوى الذي يؤكد الانتماء الفلسطيني وحقوقه في القدس ودور مقدساتها في الوجدان العربي والإسلامي.
3. صناعة جيل يقبل بشرعية الاحتلال: تربية جيل يصدّق فكرة “الدولة اليهودية” ويقلّل من شأن الهوية الوطنية الفلسطينية دون إدراك لواقع القمع.
4. تطبيع الواقع الاستعماري نفسيًا واجتماعيًا: تصوير مؤسسات الاحتلال ككيانات شرعية وطبيعية لخلق “قبول قسري” يضعف الحس النقدي ودوافع المقاومة.
5. إضعاف اللغة العربية وتفريغها من محتواها: تهميش العربية لصالح العبرية وتفريغ المناهج من مضامينها الثقافية والقيمية والوطنية.
6. خلق طبقة “وسطية” قابلة للاندماج: إعداد شباب أكثر استعدادًا للاندماج الوظيفي والاقتصادي في المنظومة الإسرائيلية بعيدًا عن العمل الوطني.
7. إضعاف المؤسسات الفلسطينية والدينية: عزل التعليم عن مرجعياته الفلسطينية لإضعاف بنية المجتمع المقدسي وإنهاء وجود مؤسسات مستقلة عن هيمنة الاحتلال.
نقلا عن الجزيرة نت