قائمة الموقع

من مدريد إلى بولونيا… سباقات الدراجات تتحول إلى ساحة مقاطعة الاحتلال

2025-09-27T19:38:00+03:00
خاص_ الرسالة نت

في سابقة جديدة ومثيرة للجدل، أعلن منظمو سباق الدراجات الهوائية الإيطالي "جيرو ديل إميليا" عن استبعاد فريق "إسرائيل بريميير تك" من المشاركة في النسخة المقررة في الرابع من أكتوبر المقبل، مبرّرين ذلك بـ "اعتبارات تتعلق بالأمن والسلامة العامة". خطوةٌ قد تبدو للوهلة الأولى إجرائية، لكنها في العمق تعكس تحوّل الرياضة العالمية إلى ميدان يختبر فيه الضمير الإنساني حدود الصراع بين قيم المنافسة النزيهة ومآسي السياسة.

 

من مدريد إلى بولونيا: كرة الثلج تكبر

لم يكن هذا القرار معزولًا. ففي مدريد، وقبل أسبوعين فقط، توقفت المرحلة الأخيرة من سباق "لا فويلتا" الإسباني وسط احتجاجات حاشدة مؤيدة لفلسطين، اقتحم خلالها متظاهرون مسار السباق، وأُجبرت الشرطة على التدخل. المشهد كان واضحًا: السباق لم يصل خطه النهائي، والمنافسة لم تُستكمل، لأن السياسة – وتحديدًا الحرب على غزة – فرضت نفسها على الرياضة.

اليوم، إيطاليا تحذو حذو إسبانيا. وكأن كرة الثلج تكبر: من عرقلة السباقات إلى قرارات استبعاد رسمية. الأمر لم يعد مجرد احتجاجات على الهامش، بل تحوّل إلى قرارات مركزية تفرض إعادة النظر في "شرعية" مشاركة فرق مرتبطة بالاحتلال في المنافسات العالمية.

 

بين فلسفة الرياضة وفلسفة العدالة

منذ أن وُلدت الرياضة الحديثة، جرى تسويقها باعتبارها فضاءً محايدًا يتجاوز الانقسامات القومية والسياسية. لكن الواقع يثبت العكس: الرياضة مرآة تعكس ضمير العالم. فحين تُشارك فرق تمثل دولًا منخرطة في حروب وعدوان، تتحول الملاعب والحلبات إلى مسرح للصراع الرمزي.

هنا يبرز السؤال الفلسفي: هل يمكن للرياضة أن تبقى "بريئة" من السياسة؟ أم أن صمتها عن المظالم يجعلها شريكًا في شرعنتها؟

قرارات إسبانيا وإيطاليا – رغم أنها مبرّرة بعبارة "الأمن العام" – تحمل دلالة أعمق: ثمة إدراك بأن الجمهور لم يعد يتقبل تجاهل الحرب والدمار، وأن "التشجيع" لم يعد فعلًا منفصلًا عن الأخلاق. لقد انتقلت الرياضة من حياد سلبي إلى موقف أخلاقي، ولو جاء على شكل مقاطعة.

 

انعكاسات أوروبية تتسع

التحركات في هولندا تعطي مثالًا آخر: قرار بلدية أمستردام باعتبار الأندية الرياضية القادمة من دول تمارس الاحتلال والعنصرية "غير مرغوبة"، يفتح الباب أمام مؤسسات أوروبية أخرى لاعتماد معايير أخلاقية شبيهة. إنها ليست مجرد مقاطعة آنية، بل تأسيس لرؤية جديدة: لا رياضة بلا عدالة.

 

 زمن جديد للملاعب

بين مدرجات مدريد وشوارع بولونيا، تتكشف حقيقة جديدة: الرياضة لم تعد مجرد احتفال جماهيري، بل جزء من حركة أخلاقية عالمية تضع الاحتلال في قفص الاتهام، وتُعلي صوت الشعوب على وقع العجلات السريعة.

قد يحاول البعض اعتبار ما يحدث "تسييسًا للرياضة"، لكن آخرين يرونه استعادة لجوهر الرياضة: الدفاع عن الكرامة الإنسانية، ولو عبر قرار استبعاد فريق أو إيقاف سباق.

فالرياضة – مثلها مثل الأدب والفن – ليست ملاذًا للهروب من الواقع، بل ساحة تعكس أوجاعه وتعيد صياغة أسئلته.

اخبار ذات صلة