"خطة ترامب": فخ استعماري مُفصَّل على مقاس الاحتلال

الرسالة نت - متابعة

في مشهد يعيد كتابة التاريخ بعقلية استعمارية جديدة، تطلّ خطة ترامب المعدّلة بالتنسيق مع نتنياهو كوثيقة مفخخة مغلّفة بورق السيلوفان الدبلوماسي. 
ما يُسوَّق على أنه "فرصة للسلام" ليس سوى هندسة دقيقة لتقنين الاحتلال، وتحويل غزة إلى سجن مفتوح تديره وصاية أجنبية، وتُفرَّغ فيه أي معارضة من مضمونها السياسي والعسكري.

الخطة، التي تضمّنت عشرات البنود، لا تُعالج جذور الصراع بقدر ما تعيد ترتيب أدوات السيطرة الإسرائيلية، عبر خمس قنابل موقوتة تنسف أي احتمال حقيقي للسلام:

🔻 1. انعدام الثقة: التزام بلا ضمانات

خطة تبدأ من فرضيات مضللة؛ تطلب من الطرف الفلسطيني تقديم كل شيء – السلاح، الرهائن، الصمت – مقابل وعود لا تُلزم "إسرائيل" بشيء. 
وذلك في ظل تاريخ طويل من نقض العهود، آخرها انهيار الهدنة بعد أقل من شهرين، تصبح الالتزامات الورقية بلا قيمة سياسية أو واقعية.

🔻 2. لا تكافؤ في الشروط: تسليم بلا مقابل

بينما تطالب الخطة حماس بنزع شامل للسلاح، تحت رقابة دولية صارمة، تُقابل "إسرائيل" ذلك بعبارات ضبابية عن دعم الإعمار و"استقرار طويل الأمد". 
حتى بند الأسرى تم التلاعب به، فبدلاً من إطلاق عام، حُصر التبادل بأرقام محكمة تمنع أي تفاوض خارج السقف الإسرائيلي.

🔻 3. خريطة غامضة لقوة دولية مشبوهة

ما يسمى "قوة الاستقرار الدولية" (ISF) يُفترض أن تتولى الأمن في غزة، لكن صلاحياتها تشمل التعاون مع "إسرائيل" لضبط الحدود ومنع السلاح وضمان حركة البضائع. 
أي أنها قوة تنفيذ لمصالح الاحتلال، وليست أداة لبناء سلام. والأخطر أن من يرأس هذا المشروع هو دونالد ترامب، وتوني بلير — رمزان لفشل السياسات الغربية في المنطقة.

🔻 4. الضفة الغربية: الغائب الحاضر

في تجاهل كامل للواقع الجغرافي والسياسي، تفصل الخطة غزة عن الضفة، وكأنها كيان مستقل. 
لا حديث عن الاستيطان، ولا عن القدس، ولا عن سياسات الضم المتسارعة. وكأن الهدف هو فصل القطاع نهائيًا عن المشروع الوطني الفلسطيني.

🔻 5. يمين إسرائيلي متطرف يقود السفينة

في الداخل الإسرائيلي، لا توافق سياسي على "السلام"، بل معارضة يمينية ترفض أي تنازل. بن غفير وسموتريتش، شركاء نتنياهو في الحكومة، لا يرون في غزة إلا أرض معركة. فكيف لخطة بهذا الحجم أن تنجح وهي رهينة أجندة تطرف داخلي؟

🔻 تعديلات نتنياهو: إحكام القبضة على الورقة

النسخة النهائية للخطة – التي خرجت من البيت الأبيض بعد تدخّل مباشر من نتنياهو – لم تُعدّل التوجهات فقط، بل أغلقت جميع المخارج للفلسطينيين. 
تم تشديد البنود، تقنين كل ملف (الأسرى، المساعدات، الرقابة)، وحذف أي دور إقليمي لا تريده إسرائيل (مثل قطر).

أبرز التعديلات كانت:

إدخال معادلات رقمية لتبادل الجثامين (1:15).

ربط العفو عن عناصر حماس بنزع شامل للسلاح.

تقليص المساعدات وحذف أرقامها.

تحويل "مجلس السلام" إلى وصاية أميركية–بريطانية بقيادة ترامب وبلير.

إبقاء محيط أمني دائم لـ"إسرائيل" على حدود غزة.

ما يُقدَّم على أنه مشروع إنهاء الصراع، هو في الحقيقة مشروع إعادة إنتاج السيطرة، بموافقة دولية وعربية مشروطة. 
القوة الدولية المقترحة، والأدوار السياسية الجديدة، ليست سوى أدوات تنفيذ لمخطط يريد قطاع غزة منزوعًا من أي قوة أو سيادة، بينما تبقى "إسرائيل" ممسكة بمفاتيح الأرض والمعابر والسياسة.

"صفقة القرن" بنسختها الجديدة ليست سوى "خطة احتلال" مصاغة بعناية، تُستخدم فيها الدبلوماسية كأداة تزيين لواقع استعماري يتجدّد. 

إنها وثيقة خديعة، تضع الشعب الفلسطيني أمام خيارين: الاستسلام باسم السلام... أو الإبقاء على جذوة المقاومة.