الاحتلال يُغلق البحر في وجه غزة… والمجاعة تعود لتلتهم المدينة

خاص_الرسالة نت

أُغلق الاحتلال آخر شريان يربط مدينة غزة بالعالم. شارع الرشيد الساحلي، الذي كان نافذة أمل للتجار والنازحين، تحوّل فجأة إلى جدار من نارٍ ورصاص؛ حينما أعلن جيش الاحتلال أنه أغلق الطريق من الجنوب إلى الشمال، تاركًا وجهته الوحيدة مفتوحة نحو الجنوب، وكأنّه يقول لمن تبقّى في المدينة: "اخرجوا... أو جوعوا".

 

على امتداد الساحل، تجمّع العشرات ممن حاولوا الصعود نحو الشمال. طائرات مروحية ومسيّرات تحوم في السماء، تطلق النار كلما اقترب أحدهم أكثر من اللازم، بينما الغبار والرصاص يخلطان في الهواء مع صراخٍ مكتومٍ من الخوف والخذلان. كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا حين أُغلق الطريق تمامًا، لكن الزمن توقّف في غزة، كأنّ المدينة دخلت في سجنٍ لا سقف له.

 

270 ألف إنسان ما زالوا عالقين داخل المدينة المحاصرة. نساء وأطفال وشيوخ يعيشون بين الركام والغبار، في أحياءٍ متآكلة كحي الشجاعية والزيتون والرمال. في الأزقة، تُسمع أصوات عربات تجرها الحمير، تُستخدم الآن لنقل ما تبقّى من أكياس الطحين أو الخبز اليابس. في الأسواق التي كانت إلى حد.ما تعجّ بالحياة، تختفي السلع الأساسية كأنها لم تكن. الطحين صار يُقاس بالملعقة، والزيت يُباع بالقطرة.

 

"كنا نقطع المسافة إلى الوسط في ساعة، اليوم نمضي سبع ساعات على الطريق إن سُمح لنا أصلًا بالعبور"، قال أحد النتظرين، وهو يراقب دكانًا صغيرًا يغلق أبوابه بعدما نفدت البضائع. "اليوم اختفى الدقيق والسكر من السوق خلال ساعة واحدة فقط بعد إعلان الإغلاق. الناس يركضون وراء سراب اسمه الأكل."

 

الأسواق خلت، والطرقات تحولت إلى طوابير من الوجع. في مدرسةٍ تابعة للأمم المتحدة بحي الزيتون، تجلس فلسطينية فوق ركامٍ غطّاه الرماد، تحضن طفلها وتنتظر وجبة لم تصل. خلفها صف طويل من النساء ينتظرن أمام تكية خيرية، يحملن أوعية معدنية على أمل حفنة أرز أو حساء مائي. ترفع إحداهن نظرها إلى السماء وتقول: "حتى الطيور جاعت، لم أعد أراها منذ أيام".

 

مدينة غزة اليوم تأكل صبرها. بعد عامين من الحرب المتواصلة، عادت المجاعة لتزحف علنًا إلى الأزقة. الأمم المتحدة كانت قد أعلنت في أغسطس الماضي تفشي الجوع على نطاق واسع، لكن العالم اكتفى ببيانات الشجب. 

قال منسق الإغاثة توم فليتشر حينها: "كان من الممكن منع هذه المجاعة... لو سُمح لنا بذلك". لكن المساعدات لا تزال تتكدس على الحدود، ممنوعة من الدخول، في الوقت الذي تفتك فيه المجاعة بأجسادٍ أنهكها الحصار والبرد والخوف.

 

الاحتلال يتقن لعبة التجويع. لم يكن الأمر عشوائيًا، كما تقول تقارير دولية، بل عملية ممنهجة: إدخال المساعدات بالقطارة، وفتح الممرات مؤقتًا لتصوير مشاهد إنسانية، ثم إغلاقها لإكمال الضغط. وكأن الجوع نفسه سلاح يُستخدم لتفريغ غزة من سكانها، كما تُفرَّغ قنينة من الهواء ببطء قاتل.

 

ومع كل إغلاقٍ جديد، ترتفع الأسعار إلى حدود الجنون. كيلو الطحين تجاوز ما يستطيع العامل شراءه في أسبوع، والعدس صار حلمًا نادرًا. أما المياه، فتُجلب من آبارٍ ملوثة، يشربها الأطفال وهم لا يعلمون أن الماء صار خطرًا جديدًا يحيط بهم.

 

في المساء، يخرج بعض الشبان إلى أطراف حي الرمال في محاولة للحصول على شيء من الوسط. لكن الطائرات المسيّرة لا تسمح لهم بالاقتراب. هناك، عند وادي غزة، يفصلهم الرعب عن رغيف خبزٍ لا يُشترى، وعن أرضٍ يعرفون كل ذرة تراب فيها.

 

القوات (الإسرائيلية) كما صرّح وزير دفاعها يسرائيل كاتس، تكمل الآن السيطرة على الجزء الغربي من محور نتساريم، وتشدد الحصار على المدينة، معلنًا أن كل من يبقى فيها "إرهابي". بهذه البساطة تُختصر حياة مئات الآلاف من المدنيين إلى تهمةٍ جماعية، يُعاقبون عليها بالجوع.

 

في الأحياء الغربية، حيث تتركز العمليات البرية، تتناثر الجثث في الشوارع الضيقة، ولا أحد يجرؤ على دفنها. فرق الهلال الأحمر والدفاع المدني تعمل في ظروفٍ شبه مستحيلة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر أعلنت تعليق عملها في المدينة بعد أن بات وجودها خطرًا على طواقمها. نقلت موظفيها إلى الجنوب، وقالت في بيانها: "المدنيون يواجهون ظروفًا إنسانية مروعة... ووقف الأعمال العدائية أمر حتمي وعاجل".

 

الليل في غزة بات أكثر قسوة. لا ضوء، لا طعام، لا نوم. فقط همسات الجوع تتردد من بيتٍ إلى آخر. في بيتٍ صغير غرب المدينة، تجلس أمٌ على الأرض أمام ثلاثة أطفالٍ يبكون. تقسم الخبزة اليابسة بينهم وتقول بصوتٍ خافت: "اصبروا، ربما يأتي غدٌ أفضل" وكلها أمل بأن ينتج قرار ما عن مفاوضات شرم الشيخ يعيد لحياتهم اعتبارها. 

 

لكن الغد يبدو بعيدًا، غارقًا في صمت العالم، في رائحة البارود، وفي سكون البحر الذي لم يعد يحمل سوى بقايا الحطام.

 

هكذا تبدو غزة اليوم: مدينة تُحاصر من كل الجهات، وتُهاجم حتى في جوعها. لم يبقَ لها سوى كرامةٍ تتشبث بالحياة، وقلوبٍ تصرّ على البقاء رغم كل شيء. 

المجاعة عادت، لكن أهلها لا يزالون يقاومونها بالفتات، بالدعاء، وبذاكرةٍ تعرف أن الجوع زائل، أما الكرامة فتبقى ما بقيت غزة على وجه الأرض.