قائمة الموقع

غزّة... حين تكتب الصمود بدمها وتغيّر معادلات التاريخ

2025-10-15T07:35:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

في اللحظة التي وضعت فيها حرب غزّة أوزارها أخيرًا، وبدأت المدينة الجريحة تلملم بقاياها، وتستعيد أنفاسها من تحت الركام، بدا واضحًا أن ما جرى على مدى عامين من أعتى أشكال العدوان في التاريخ، سيبقى علامةً فارقة في الذاكرة الفلسطينية والعربية والعالمية.

غزّة التي وُصفت بأنها “القطاع الصغير المحاصر”، خرجت من أتون حرب الإبادة وقد أثبتت أنها أكبر من مساحتها، وأقوى من كل الحصار والدمار، وأنها لم تُهزم رغم فقدانها عشرات الآلاف من أبنائها، وخراب عمرانها، وتجويع شعبها.

ليس زمن الحسابات بل زمن الصمود

ويقول الكاتب السوري مروان قبلان في مقاله التحليلي إنّ الوقت الآن ليس للمحاسبة ولا للتقييم، بل للتضامن مع غزّة وأهلها الذين واجهوا آلة حربٍ غير مسبوقة في وحشيتها.
ويشير إلى أنّه لا أحد يستطيع أن يدّعي “انتصارًا كاملاً” في غزة، كما لا أحد يمكنه أن يزعم “هزيمةً كاملة”، لأنّ الحرب لم تُحقق أهدافها المعلنة. فالمعيار الحقيقي للنصر والهزيمة هو في قدرة أحد الطرفين على فرض إرادته على الآخر، وهو ما فشلت "إسرائيل" في تحقيقه رغم دمارها الواسع.

فشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها

يُقارن قبلان بين حروب سابقة خاضتها قوى عظمى وبين ما جرى في غزّة.
فالولايات المتحدة انتصرت على اليابان حين وقّعت الأخيرة اتفاق الاستسلام، لكنها لم تستطع ادعاء الانتصار حين خرجت من فيتنام وأفغانستان.
وبالمثل، فإنّ "إسرائيل" التي ادّعت “نصرًا” في 1948 و1967، لا يمكنها أن تزعم شيئًا من ذلك في حرب غزّة.
فهي لم تسحق المقاومة، ولم تُخضع السكان، ولم تُرغمهم على النزوح الجماعي أو الاستسلام، بل واصلوا القتال حتى تعب العالم من عدّ شهدائهم وصبر أطفالهم.

غزّة التي أرهقت العالم وأيقظت ضميره

بحسب الكاتب، فإنّ العالم نفسه، وفي مقدمته الولايات المتحدة، هو من قرّر أن وقت القتل انتهى، بعدما تبيّن أن استمرار الحرب بات يُضرّ بمصالح الغرب ذاته.
ومن هنا جاء تدخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر “خطة وقف الحرب”، ليس حبًّا بغزة، بل لإنقاذ "إسرائيل" من نفسها بعد أن تجاوزت كل حدود المنطق والسياسة والمصلحة.
لكن النتيجة غير المقصودة كانت انكشاف "إسرائيل" أمام العالم ككيانٍ دمويٍّ يهدّد السلم الإنساني، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية التي حاولت قوى كثيرة دفنها.

أسطورة الصمود الفلسطيني

ويرى قبلان أن أهم ما سيكتبه التاريخ عن غزّة هو أنها خاضت أطول حروب العرب مع "إسرائيل" وأكثرها كلفة في قرنٍ كامل، وأنها رغم محدودية إمكاناتها حققت ما لم تستطع تحقيقه جيوش نظامية.
فالقطاع الصغير، المحاصر من البر والبحر والجو، استطاع بناء منظومة قتالية تحت الأرض تُدرّس في الأكاديميات العسكرية، مكّنته من الصمود لعامين أمام أقوى جيش في الشرق الأوسط، مدعومًا من أعتى القوى العالمية.

نسبة تضحيات غير مسبوقة

ويذكر الكاتب أنّ نسبة التضحيات البشرية في غزّة بلغت نحو 13% من سكانها، وهي نسبة لم تعرفها أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، باستثناء الاتحاد السوفييتي في مواجهة النازية.
ويضيف أن هذه المعادلة جعلت غزّة رمزًا كونيًا للصمود، وأنها دحضت المقولة المهينة التي تردّدها بعض النخب العربية بأنّ ضعف الإمكانات يبرّر الاستسلام.

غزّة درّة الوجع ورمز الإرادة

في ختام مقاله، يؤكد مروان قبلان أن غزّة تقف اليوم شاهدًا حيًا على معنى الكرامة والبطولة الإنسانية، وأنها ألغت من القاموس العربي مقولة “العجز”.
لقد قدّمت للعالم درسًا مفاده أن الحرية تُنتزع بالصمود لا بالاستجداء، وأنّ الحصار مهما طال لا يقتل فكرة الحرية ولا يُخمد روح المقاومة.

حرب غزّة لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية، بل كانت ملحمةً في الإرادة والكرامة، رسمت بدماء أبنائها حدود مرحلة جديدة من الصراع.
وإن كانت خسائرها فادحة، فإنّ مكاسبها المعنوية والتاريخية تفوق كل ما فقدته، لأنها أعادت تعريف معنى النصر الحقيقي: أن تبقى واقفًا رغم أن العالم كله يريدك أن تسقط.

اخبار ذات صلة