بعد عامين من الإبادة التي طالت البشر والحجر في غزة، أُعلن أخيرًا في مدينة شرم الشيخ المصرية عن توقيع اتفاق وقف الحرب، برعاية أميركية ومشاركة عربية وإسلامية وأوروبية واسعة.
لكنّ هذا الاتفاق، كما يرى الكاتب والخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، لم يُنهِ المأساة؛ بل فتح الباب أمام معركة أشد تعقيدًا: معركة إعادة إعمار غزة، التي يرى فيها الفلسطينيون اليوم عنوانًا للحياة، لا رفاهية سياسية.
فغزة، التي تحوّلت إلى ركام، تنتظر عودة الحد الأدنى من مقومات الحياة: الماء، الكهرباء، المأوى، والمستشفيات. يقول الصاوي في مقال على موقع العربي الجديد إن الحديث عن الإعمار لا بد أن يبدأ من الأساسيات، “لأنّ الناس يموتون كل ساعة بسبب نقص الرعاية الطبية وغياب المياه الصالحة للشرب”.
دمار شامل وأرقام مفزعة
يعرض الكاتب أرقامًا صادمة عن حجم الكارثة:
67 ألف شهيد، ثلثهم من الأطفال دون الثامنة عشرة.
121.9 ألف مصاب، كثير منهم بإعاقات دائمة.
تدمير 193 ألف مبنى سكني.
90% من البنية التحتية مدمّرة.
من بين 38 مستشفى في غزة، لم يبقَ سوى 14 مستشفى تعمل جزئيًا.
514 ألف شخص يعانون من الجوع الحاد
.
ويرى الصاوي أن هذه الأرقام وحدها تكفي لفرض أولوية فورية: البدء العاجل في إعادة الإعمار دون تأجيل أو شروط سياسية.
بين المساعدات والابتزاز السياسي
وينتقد الكاتب بشدة محاولات تسييس الإعمار، مؤكدًا أن بعض الدول والجهات الدولية تربط الدعم بإقصاء حماس أو إعادة غزة للسلطة الفلسطينية، أو حتى بإقامة مؤسسات خارجية تشرف على الإعمار نيابة عن الفلسطينيين أنفسهم.
ويحذر الصاوي من أن هذا التوجّه يعيد إنتاج الوصاية على غزة، ويحوّلها من قضية إنسانية إلى ملف استثمار سياسي.
ويقول إن الخطوة الصحيحة هي أن يكون التخطيط والتنفيذ بأيدي مؤسسات غزة الحالية، وبالتنسيق مع الجهات الفلسطينية، لأنّ “غزة ليست مشروعًا تمويليًا بل أرضًا يعيش عليها بشر”.
فاتورة الدمار
بحسب التقديرات التي ينقلها الصاوي، تبلغ كلفة إعادة إعمار غزة نحو 60 مليار دولار. وقد أعلنت مصر وألمانيا عن نيّتهما تنظيم مؤتمر للمانحين خلال الأسابيع المقبلة لجمع التمويل اللازم.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن أموال المانحين وحدها لا تكفي، داعيًا إلى دور أكبر للمجتمع المدني والمنظمات الأهلية الفلسطينية، خاصة تلك التي عرضت بالفعل مخططات تفصيلية لإعادة الإعمار في مؤتمر إسطنبول قبل أشهر، شملت مراحل التنفيذ والكلفة الزمنية لكل مشروع.
احتياجات عاجلة
ويقول الصاوي إن الخيام، والطعام، والدواء لا تحتاج إلى مفاوضات سياسية. فهي حقوق فورية لكل إنسان فقد منزله أو عائلته.
ويشدد على ضرورة فتح المعابر فورًا، خاصة معبر رفح، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والطبية دون تأخير، محذرًا من أن كل يوم يمرّ دون إمداد غزة بما تحتاجه “يُفاقم المأساة ويضاعف الألم”.
ثلاث سنوات على الأقل
ويرى الكاتب أن عودة البنى التحتية في غزة إلى وضعها الطبيعي تحتاج ما لا يقل عن ثلاث سنوات، وأنّ التعافي الاقتصادي يتطلب إعادة الإعمار على نطاق واسع لتوفير فرص العمل.
فقد وصلت نسبة البطالة إلى أكثر من 70%، وتوقف النشاط الصناعي والزراعي بالكامل تقريبًا.
وبالتالي فإنّ المنظمات الإغاثية – المحلية والدولية – يجب أن تكون في طليعة الجهود، ليس فقط لتقديم المساعدات، بل أيضًا لتشغيل آلاف الفلسطينيين، وتحريك الاقتصاد المحلي عبر الأجور والخدمات المصاحبة.
تضامن الشعوب اختبار الضمير العالمي
ويعتبر عبد الحافظ الصاوي أن المرحلة المقبلة تمثل اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم.
فقد شهدنا خلال العامين الماضيين تفاعلاً واسعًا مع مأساة غزة من خلال التظاهرات والتعبيرات الشعبية في مختلف دول العالم، لكنّ التحدي الآن هو الانتقال من التضامن العاطفي إلى الفعل العملي: دعم الإعمار والإغاثة، والضغط على الاحتلال لعدم عرقلة المساعدات أو العودة إلى الحرب.
ويختتم الصاوي مقاله بسؤال جوهري: “هل تفي الحكومات والشعوب بوعودها تجاه غزة؟ أم تتحوّل المأساة الإنسانية إلى ورقة مساومة جديدة في لعبة السياسة الدولية؟”