كيف يمكن للتكنولوجيا إنقاذ ما تبقى من الحياة في غزة؟

الرسالة نت- متابعة 

حذّر الكاتب المصري عبد التواب بركات العالم من أن التجويع في غزة أصبح مشروع إبادة صامت، لا يمكن وقفه إلا عبر تدخل إنساني تقني عاجل، يوظّف حلولًا مبتكرة من واقع الأزمات العالمية السابقة.

وكتب بركات وهو  خبير في شؤون الزراعة والأمن الغذائي في مقاله المنشور في العربي الجديد أن أمام المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية نافذة ضيقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الفلسطينيين في قطاع غزة، بعد أن فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي مجاعة شاملة على السكان منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويشير الكاتب إلى أن الحرب الإسرائيلية لم تكتفِ بالقتل والدمار، بل استخدمت التجويع سلاحًا مركزيًا لاستهداف جميع فئات المجتمع، بما في ذلك الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، دون أي استثناء.

في 22 أغسطس/آب 2025، صنّفت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الوضع في غزة ضمن المرحلة الخامسة – وهي الأعلى والأخطر في سلم انعدام الأمن الغذائي، وتدل على انتشار المجاعة والموت بسبب الجوع وسوء التغذية الحاد في جميع الفئات العمرية.

تكافل اجتماعي في وجه الفناء

ورغم هذا الخراب، كما يكتب بركات، فقد أظهر سكان القطاع نموذجًا فريدًا في التكافل والصمود الاقتصادي والاجتماعي. فبينما كان البعض يسقط في الشوارع من الجوع ويقتات على علف الحيوانات وأوراق الشجر، انتشرت مبادرات “تكايا الطعام” و”عربات المياه” و”صفوف التعليم التطوعي” و”برامج الدعم النفسي” في مخيمات النزوح.
وأكد الكاتب أن المجتمع الغزي، رغم الكارثة، لم ينحدر إلى سلوكيات منحرفة كما حدث في مناطق أخرى شهدت مجاعات أقل قسوة، مثل تجنيد الأطفال أو تبادل الجنس مقابل الطعام، وهو ما وثقته تقارير “فاو” في مناطق نزاع أخرى.

انهيار الزراعة وتدمير مقومات الغذاء

ويوضح بركات أن القطاع الزراعي في غزة تعرض لتدمير شبه كامل، إذ دمّر جيش الاحتلال 95% من الماشية الكبيرة وأكثر من نصف الأغنام والماعز، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) في نوفمبر 2024.
كما أظهر تحليل مركز يونوسات التابع للأمم المتحدة أن 96% من الأراضي الزراعية دُمرت بالكامل، ولم يتبق سوى 688 هكتارًا صالحة للزراعة، وهو ما وصفته بيث بيكدول – نائبة المدير العام للفاو – بأنه “انهيار شامل لنظام الأغذية الزراعية في غزة”.

الكاتب يصف المشهد بأن اللحوم اختفت تمامًا من الأسواق، وقفز سعر الدجاجة إلى 500 شيكل بعد أن كانت بـ30 فقط، ما جعل الغذاء سلعة نادرة في سوق الموت والدمار.

من طوابير القتل إلى المخابز المتنقلة

وتطرق الكاتب إلى أن الجيش الإسرائيلي قصف معظم المخابز في القطاع، ليبقى فقط 50 من أصل 140 مخبزًا، ثم أُغلقت بسبب نقص الطحين وغاز الطهي.
ارتفع سعر كيس الطحين من 10 دولارات إلى 50 دولارًا، وبلغ سعر ربطة الخبز 15 دولارًا بدل نصف دولار. وارتُكبت مجازر في “طوابير الدقيق”، حيث قُتل الآلاف وهم ينتظرون أكياس المعونات.

ويقترح بركات أن الحل السريع يتمثل في المخابز الميدانية المتنقلة، وهي شاحنات مجهزة تنتج نحو 5 آلاف رغيف في الساعة، تعمل بالديزل والكهرباء، وتُستخدم في الكوارث والحروب.
ويشير إلى أن القوات الأردنية قدمت نموذجًا ناجحًا في بداية العام عبر مخبز متنقل لصالح المطبخ المركزي العالمي في غزة، أنتج 3500 رغيف في الساعة. ويقدّر الكاتب حاجة القطاع إلى 20 مخبزًا متنقلاً على الأقل لتغطية الاحتياجات الأساسية.

المطابخ المتنقلة: ابتكار غذائي في زمن المجاعة

ويشرح الكاتب أن تجربة “المطابخ المتنقلة” برزت بعد إعصار كاترينا في الولايات المتحدة عام 2005، إذ كشفت الأزمة حينها عن ضعف أنظمة الإغاثة التقليدية.
هذه المطابخ، المحمولة على شاحنات، قادرة على إعداد وجبات ساخنة بسرعة وكفاءة في المناطق المنكوبة، وتُستخدم اليوم في الحروب والكوارث من قبل الصليب الأحمر والمنظمات الدولية.

ويضيف بركات أن المطابخ المتنقلة أكثر أمانًا من تكايا الطعام التقليدية، التي كانت تُستهدف بالقصف بسبب أدخنتها المكشوفة. هذه التقنيات، كما يقول، متوفرة في تركيا وإيران، ويمكن إدخالها إلى غزة بتكلفة اقتصادية منخفضة نسبيًا لتقديم وجبات جاهزة وصحية للمحاصرين.

المياه: العطش كسلاح آخر

ويشير الكاتب إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بالتجويع، بل تعمد تجفيف منابع الحياة المائية عبر قصف محطات المياه والآبار والخزانات.
فقد دمّر الاحتلال 719 بئرًا، بطول شبكة مياه يزيد على 100 كيلومتر، ما أدى إلى شلل تام في شبكة المياه العامة، وعمّ التعطيش الممنهج لجميع المناطق.

ويرى بركات أن الحل يكمن في محطات تنقية مياه الشرب المتنقلة، سواء المحمولة على شاحنات أو سفن صغيرة، لتوفير مياه صالحة للشرب من البحر أو الآبار الملوثة.
هذه المحطات، كما يقول، متوفرة بأحجام 20 و40 قدمًا، وتُعد خيارًا عمليًا وأكثر جدوى من إدخال صهاريج المياه عبر المعابر.

التكنولوجيا أداة بقاء

ويختم الكاتب عبد التواب بركات مقاله بالتأكيد على أن استخدام التكنولوجيا المتنقلة في المخابز، والمطابخ، ومحطات المياه قد يشكّل طوق النجاة الوحيد لسكان غزة المحاصرين.
فالتقنيات الحديثة – كما يكتب – ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية في وجه الإبادة الشاملة. إنها ليست بديلاً عن العدالة أو المحاسبة، لكنها وسيلة عاجلة لإنقاذ أرواح تُزهق كل يوم بصمت العالم.