عائلة الجرجاوي.. خيمةٌ تطلّ على ركام الشجاعية وشوقٌ لا يهدأ

الرسالة نت

على أطراف حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث يمتزج الغبار برائحة الرماد، نصبت عائلة الجرجاوي خيمةً صغيرة في متنزه الحي تطلّ على ركام البيوت المدمّرة.

كل صباح، تخرج العائلة من خيمتها، تتوقف عند حافة الطريق، تحدّق طويلًا نحو الداخل — نحو المنطقة الصفراء التي يمنع الاحتلال الوصول إليها، حيث يقبع منزلهم المدمر بين أنقاض الحيّ الذي كان يومًا يعجّ بالحياة.

تقول أم محمد الجرجاوي وهي تمسح دموعها بنهاية طرف غطاء رأسها:

 "بيتنا هناك، بس ما بنقدر نوصل له.. حتى لما نوقف هون، بنشوف الركام من بعيد".

وتضيف: "كل زاوية فيه إلها ذكرى، هون كنا نجتمع، وهون لعب الأولاد. اليوم صرنا نعيش في خيمة، لا راحة فيها ولا أمان، بس ما في يوم مرّ إلا وإحنا بنفكر بالعودة."

تتحدث أم محمد بصوتٍ يملؤه الحنين والوجع، وهي تشير بيدها نحو البيوت المهدّمة في الأفق.

تقول إن الحياة في الخيمة قاسية، فالمطر يتسرّب من السقف المهترئ في الليالي الباردة، والماء شحيح، والطعام بالكاد يكفي الأطفال.

"صرنا نحلم بالكهربا وبالميّة، حتى الدواء مش دايم متوفر. بس رغم كل شي، ما بنترك المكان، لأن هادي أرضنا، وهون بيتنا، حتى لو ممنوعين نوصل له."

منذ إعلان وقف إطلاق النار، صنّف الاحتلال الأحياء الشرقية من مدينة غزة، ومنها الشجاعية، ضمن ما يُعرف بالمناطق "الصفراء" — وهي مناطق عسكرية مغلقة يمنع على الفلسطينيين دخولها أو الوصول إلى بيوتهم داخلها.

وبذلك حُرمت آلاف العائلات من العودة إلى منازلها، بعدما تحولت أحياؤهم إلى مناطق شبه مهجورة، تتناثر فيها أشلاء الدبابات والركام والذكريات.

يقول أبو محمد الجرجاوي وهو يقف أمام خيمته على أطراف الحيّ، ينظر بعيدًا نحو الركام:

"هذي أرضي وبيتي هناك، بس الاحتلال ما بخلي حدا يقرب.

كل يوم بجي لهون، حتى لو ما بقدر أدخل المنطقة، بس بدي أشوفها بعيني.

ما في يوم بمرّ عليّ إلا وأنا بتمنى أرجع أزرع الأرض اللي كبرت فيها."

ويضيف بنبرة يغلبها الإصرار:

 "الاحتلال بدو ينسينا بيوتنا، بس إحنا مش راح ننسى.

مهما طال المنع، راح نرجع ونبني من جديد. الركام هذا مش نهاية الحكاية، هو بداية الطريق للعودة."

على أطراف الشجاعية، تحاول العائلة التمسك بما تبقّى من حياة.

الأطفال يلعبون بين الخيام ويبحثون عن ألعابهم القديمة بين الركام، بينما تحاول أمهم إعداد وجبة متواضعة على موقدٍ صغير من الحطب.

تعلو أصوات المولدات في الخلفية، تتداخل مع نداءات الباعة الذين يحاولون العودة إلى الحيّ بحثًا عن رزقٍ شحيح في منطقةٍ خالية من سكانها الأصليين.

ورغم الظروف القاسية، لم تفقد العائلة أملها.

يقول أبو محمد وهو ينظر إلى الأفق:

 "يمكن ما نرجع اليوم، بس راح نرجع يوم من الأيام.. البيت بينتظرنا، والأرض بتنادينا."

أما أم محمد فتختم بابتسامةٍ تختصر الكثير من الألم:

"يمكن الاحتلال صنّف المنطقة صفراء، بس إحنا بنشوفها خضراء بالأمل..

رح نرجع، وراح نعمرها، ونزرع الورد محل الركام."

وبينما تغيب الشمس خلف البيوت المهدّمة، تبقى خيمة عائلة الجرجاوي شاهدةً على وجعٍ لا يهدأ، وشوقٍ لا ينطفئ.

هنا، على أطراف الشجاعية، يقف الأمل صامدًا في وجه المنع والخراب، يحرسه أناسٌ لم يفقدوا يقينهم بأن العودة قريبة، مهما طال الغياب.