كشف المعهد الوطني السمعي والبصري الفرنسي (INA) حول تحوّلات التغطية الإعلامية الفرنسية للحرب الإسرائيلية على غزة خلال عامين كاملين من الإبادة، مبينا انزياحاتٍ لغويةٍ ومضمونيةٍ عكست تراجع الاهتمام وتحوّل الخطاب نحو التبرير أو التجاهل.
وفي تقريرٍ موسّعٍ نشرته الصحافية اللبنانية زينب ترحيني في موقع العربي الجديد، ذكرت أن غالبية الوسائل الإعلامية الغربية، وفي مقدّمتها الفرنسية، انحازت إلى السردية الإسرائيلية منذ بداية العدوان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، باستثناء عددٍ محدودٍ من المنابر التي نقلت الحقيقة من الميدان عبر الصحافيين الفلسطينيين.
لكن حتى تلك الأصوات المستقلة وُصفت بالمشبوهة، إذ شكّك معلّقون ومقدّمو برامج في فرنسا بمصداقية المراسلين الفلسطينيين، وطعنوا في أرقام الضحايا وارتباط الصحافيين بحركة "حماس"، ما ساهم في تشويه الصورة وتهميش الرواية الفلسطينية.
كيف تقلّصت مساحة غزة في الإعلام؟
وبحسب التحقيق الذي أعدّته مجلة الصحافة الفرنسية التابعة للـ(INA)، جرى تحليل مضمون 15 وسيلة إعلامية فرنسية، شملت أربع قنواتٍ إخبارية، وسبع إذاعات، وأربع نشراتٍ مسائية.
أظهر التقرير أن الهجوم في 7 أكتوبر 2023 أعاد فلسطين مؤقتاً إلى صدارة المشهد الفرنسي بعد غيابٍ دام قرابة عقدين، إذ لم تحظَ القضية الفلسطينية بتغطيةٍ كثيفة منذ الانتفاضة الثانية عام 2005.
خلال الشهرين الأولين بعد الهجوم، ركّزت القنوات على رواية إسرائيلية بالكامل: مشاهد الصدمة، الرهائن، والمأساة في الداخل الإسرائيلي، بينما بقيت صور غزة تحت الحصار والدمار شبه غائبة.
لكن مع مرور الوقت، وتحديداً بعد منتصف 2024، بدأ الاهتمام الإعلامي الفرنسي بالتراجع بنسبةٍ كبيرة وصلت إلى 38% خلال الأشهر الإحدى عشرة التالية، إذ خفّضت القنوات مساحات التغطية اليومية بحجة "إرهاق المشاهد"، في حين واصلت البرامج الإذاعية والنشرات المسائية تغطيةً جزئيةً ومحدودة.
ثلاث محطات حددت شكل التغطية
يشير التحقيق إلى أن التغطية الإعلامية الفرنسية بلغت ذروتها في ثلاث لحظات محدّدة:
1. إبريل/نيسان 2024: أثناء الضربة الإيرانية على "إسرائيل" ردّاً على قصف قنصليتها في دمشق.
2. سبتمبر/أيلول 2024: مع بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان.
3. يونيو/حزيران 2025: عقب الهجوم الإسرائيلي على إيران.
أي أن الاهتمام الفرنسي بالحرب لم يتجدّد مع تصاعد المآسي في غزة، بل فقط عندما تحوّل الحدث إلى صراعٍ إقليمي يمسّ "إسرائيل" مباشرة.
لغة الإعلام... سلاحٌ سياسي
وتؤكد زينب ترحيني أن الدراسة الفرنسية ركّزت على تحليل المفردات الأكثر تكراراً، معتبرةً أن اللغة تُعبّر عن موقفٍ سياسيٍ خفيّ.
فقد وردت كلمة "الرهائن" بمعدّل 825 مرة شهرياً، معظمها في الشهور الأولى للحرب، مقابل تراجع استخدام مصطلحات تصف معاناة الفلسطينيين.
أما كلمة "الإبادة"، التي أثارت جدلاً واسعاً في فرنسا، فاستُخدمت بمعدّل 82 مرة شهرياً، ليس لوصف ما جرى في غزة، بل لإدانة من استخدمها من طلابٍ أو سياسيين يساريين، إذ صنّفتها وسائل الإعلام اليمينية ضمن الخطاب "المعادي للسامية".
وبالمقابل، ذُكرت كلمة "مجاعة" بمعدّل 84 مرة شهرياً، خصوصاً في شهري يوليو وأغسطس 2025، عقب تحذيرات المنظمات الإنسانية. ومع ذلك، نادراً ما استُخدمت المفردات التي تُحمّل "إسرائيل" مسؤولية مباشرة عن الكارثة.
من التغطية إلى التبرير
وتُظهر نتائج الدراسة أن الإعلام الفرنسي تحوّل من الانفعال الإنساني إلى التبرير السياسي، إذ لم تعد المجازر في غزة تُعرض بوصفها جريمة حرب، بل "صراعاً معقّداً"، وهو توصيفٌ ساهم في تبييض الجرائم وإضعاف الذاكرة الإنسانية.
فحتى حين استخدم المراسلون عبارات مثل "مأساة إنسانية" أو "كارثة في غزة"، ظلّوا يتجنّبون توصيف العدوان باعتباره إبادةً جماعيةً ممنهجة.
وتخلص الكاتبة اللبنانية زينب ترحيني إلى أن تجربة الإعلام الفرنسي خلال حرب غزة تُعدّ مثالاً حيّاً على أزمة أخلاقية ومهنية تضرب الصحافة الغربية، حيث تتلاشى الحدود بين الحياد والتواطؤ.