منذ أن خطّ اللورد بلفور توقيعه في الثاني من نوفمبر عام 1917، سال الحبر كأنه دمٌ لمأساة طويلة.
الوعد المشؤوم لم يكن جملة سياسية عابرة، بل بداية مشروع إلغاءٍ كامل لشعبٍ اسمه فلسطين؛ انطلاقا من أكذوبة بني على أساسها هذا الوعد " أرض بلا شعب"
لطالما كان هذا “الوعد” بذرةً لإبادةٍ بطيئة بدأت على الورق، ثم صارت نارًا فوق الأرض.
وفي عام 1948، اشتعل الحبر نارًا حقيقية. في القرى الفلسطينية التي حملت أسماءها إلى المنافي — دير ياسين، الطنطوره، اللد، والرملة — قُتل أكثر من 15 ألف فلسطيني في أكثر من 70 مجزرة، وهُجّر ما يقارب 750 ألفًا من بيوتهم.
سار اللاجئون حفاةً على طرقٍ موحلة، يحملون مفاتيح بيوتهم المهدّمة وصور الغائبين. كانت النكبة ولادةً قسرية لدولةٍ على أنقاض وطنٍ، وبداية تهجيرٍ لم ينتهِ بعد.
وفي عام 1967، بعد حرب الأيام الستة، تمدّد الاحتلال على ما تبقّى من فلسطين. في تلك النكسة، سقط نحو 6 آلاف شهيد فلسطيني من أصل 25 ألف عربي، وتكرّر المشهد ذاته: نزوحٌ جديد، وقرًى تُمحى عن الخريطة، وعيونٌ تتعلّق بالقدس البعيدة. صار الاحتلال وجهًا يوميًا في حياة الفلسطينيين، والجنديّ حاجزًا بين الطفل ومدرسته، وبين المزارع وزيتونه.
عام 1982، جاء الدور على بيروت وصبرا وشاتيلا.
في ثلاثة أيامٍ من الرعب، وتحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، ذُبح ما بين 3,000 و3,500 مدني فلسطيني ولبناني، معظمهم من النساء والأطفال.
كانت المجزرة لطخةً لا تُمحى من ذاكرة القرن، وجثةً إضافية في ضمير العالم الصامت.
وفي ديسمبر 1987، ولدت الانتفاضة الأولى من بين الحجارة. حجارةٌ صغيرة في جباليا واجهت دباباتٍ عملاقة. على مدى ست سنوات، سقط نحو 1,550 شهيدًا فلسطينيًا، وأُصيب الآلاف، واعتُقل أكثر من 120 ألفًا. كانت الانتفاضة الأولى إعلانًا أن الفلسطينيين لم يموتوا بعد، وأنّ الحجر يستطيع أن يُعيد تعريف القوة.
ثم جاءت الألفية الثانية، ومعها الانتفاضة الثانية في عام 2000. اشتعلت الشوارع بالرصاص والمظاهرات، وبُني جدار الفصل العنصري ليقطع أوصال الضفة الغربية. خلال خمس سنوات، سقط أكثر من 4,400 شهيد، وجُرح أكثر من 48 ألفًا، وباتت القرى الفلسطينية محاطةً بالأسلاك والجدران، وكأنها سجونٌ مفتوحة على السماء فقط.
تلك السنوات زمن الخسارات اليومية: بيتٌ يُهدم، أمٌّ تفقد ابنها، ومدينةٌ تُخنق بالحواجز.
منذ عام 2007، دخلت غزة فصلها الأطول من الحصار، في سجنٍ بحجم مدينة.
الهواء مراقَب، والماء مالح، والكهرباء مقطوعة، والمعابر مغلقة.
ثم جاءت الحروب واحدة تلو الأخرى، تترك وراءها أسماء للسنوات أكثر مما تترك نوافذ للبيوت:
2008–2009 (الفرقان): استُشهد 1,417 فلسطينيًا، بينهم 300 طفل و110 نساء.
2012 (حجارة السجيل): سقط 174 شهيدًا، منهم 37 طفلًا.
2014 (العصف المأكول): قُتل 2,251 فلسطينيًا، بينهم 551 طفلًا و299 امرأة.
2021 (سيف القدس): استُشهد 260 فلسطينيًا، بينهم 66 طفلًا و41 امرأة.
كانت كل حربٍ تشبه سابقتها: سماءٌ سوداء، وأرضٌ رماد، وأمٌّ تبحث بين الركام عن لعبة ابنها. ومع ذلك، كان الناس في غزة يُضيئون ليلهم بالشموع، ويختمون أيامهم بدعاءٍ واحد: أن يبقوا أحياء حتى الغد.
ثم جاء يوم السابع من أكتوبر 2023، اليوم الذي فُتحت فيه كل أبواب التاريخ دفعةً واحدة.
بدأت حرب الإبادة الكبرى على غزة، ولم تُغلق حتى اليوم. في عامٍ ونصف، تجاوز عدد الشهداء 60000 فلسطيني، بينهم 20,000 طفل و10,000 امرأة، إضافة إلى عشرات الآلاف من المفقودين تحت الركام.
دُمّرت 70% من منازل غزة، وتهجّر أكثر من مليونَي فلسطيني داخل القطاع الضيق الذي لم يعد يجد مكانًا لدفن الشهداء.
في المستشفيات، يعمل الأطباء بلا أدوية، وعلى ضوء الشموع، وتُجرى العمليات بلا تخدير. وفي الشوارع، يدفن الأهالي أبناءهم بأيديهم، ثم يواصلون البحث عن خبزٍ وماءٍ للحياة.
ومع ذلك، ما زال في غزة صوتٌ لا يُقهر:
امرأة تخبز على نار الحطب، رجل يحفر بيديه تحت الركام، وأطفال يضحكون رغم كل شيء.
كل بيتٍ مهدّم هو شاهد، وكل طفلٍ نجا هو فصلٌ جديد في حكايةٍ لم تنتهِ.
قرنٌ من الإبادة، من وعدٍ إلى جدارٍ إلى رماد، والعالم ما زال يراقب.
لكن الفلسطينيين، رغم الجوع والحصار والمجازر، ما زالوا يكتبون تاريخهم بأنفاسٍ حارة، ويُبقون الذاكرة حيّة.
فما كُتب بالحبر في وعد بلفور، يُمحيه الفلسطيني اليوم بصبره، وبدَمٍ لم يجف منذ مئة عام ليثبت للمرة الألف أن هذه أرض وعليها شعب كامل لا يمكن أن يمحى .