في ركنٍ صغير من مقبرة ضمّت عشرات الشهداء في قبورٍ عشوائية، تمتدّ بجانب رُكام المباني وسط مدينة غزة، يلمح المارّ من هناك رجلًا ممددًا فوق فراشه بين الحجارة المنصوبة كشواهد.
رجلٌ خمسينيّ بملامح أنهكها الحزن، ووجهٍ شاحبٍ لا تفارقه النظرة الزجاجية البعيدة.
هذا هو محمود عبد الكريم، الرجل الذي فقد في قصفٍ إسرائيلي واحد كلّ ما يملك من معنى للحياة: زوجته، أبناؤه الأربعة، وابنته الصغرى.
بقي محمود وحيدًا، لا بيت يأويه، ولا دفء يسكّن وجعه، سوى ظلال القبور التي يحتضنها كل مساء كمن يحتضن بقايا الحلم.
يقول بصوتٍ متعب، وكأنه يخاف أن تعود الطائرات لتقصف قبور أحبّته فيجد نفسه وحيدًا من جديد:
"أنا لا أنام فوق قبورهم، بل إلى جانبهم. اخترت هذا المكان قبري، حتى إذا جاء دوري لا يبحثوا عني بعيدًا."
منذ أن وُرِيت أسرته الثرى بعد المجزرة التي دمّرت حيّه بالكامل، اتخذ الرجل قراره بالبقاء إلى جوارهم.
كل صباح، يستيقظ مع شروق الشمس، ينفض الغبار عن شواهد القبور، يفرش بطانيته القديمة، ويجلس في صمتٍ طويل. يحمل بين يديه بقايا صورٍ محترقة، يحدّق فيها كأنه يستعيد ملامح وجوههم.
"كانوا حياتي"، يقول وهو يمرر أصابعه المرتعشة على اسم ابنته على شاهد قبرها، "ربّيت أولادي رجالًا ونساء، علّمتهم أن يكونوا طيبين، صادقين، يحبّون الناس. كنت أجد حضني الدافئ بينهم، ثم غادروني جميعًا."
لا يملك محمود اليوم سوى بضع حاجيات وضعها في زاوية المقبرة: فراشٌ قديم وبطانيةٌ يتدثر بها ليلًا حين يقرصه برد الغياب.
يرفض العودة إلى بيت قريبٍ أو أحد أشقائه، لا يطلب شيئًا من أحد، ولا يغادر المكان إلا نادرًا لشراء ما يسدّ رمقه، ثم يعود مسرعًا، وكأنّ بين القبور حياةً لا يريد أن يفوّتها.
لكن مأساة محمود ليست القصة الوحيدة ولا المستغرَبة في غزة، بل هي صورة متكررة لمئات القصص المشابهة.
فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، أكثر من 1,410 عائلة فلسطينية تم محوها بالكامل من السجل المدني، أي أنّ كل أفرادها قُتلوا خلال الحرب. كما أن 3,463 عائلة أخرى لم ينجُ منها سوى شخص واحد فقط. آلاف الأسر الأخرى فقدت معظم أفرادها وبقي منها اثنان أو ثلاثة على قيد الحياة، يواجهون وحدهم ذاكرة المجازر وخرائب البيوت.
قصة محمود ليست وجعًا شخصيًا فحسب، بل شاهدًا على حجم الكارثة التي أصابت مجتمعًا بأكمله، حيث تحوّلت المقابر إلى مساكن، والنجاة إلى عبءٍ ثقيلٍ لا يُحتمل.
وفي كل مساء، حين يخيّم الظلام وتخفت أصوات المدينة الممزّقة، يمدّ محمود جسده المتعب إلى جوار أحبّته، يغمض عينيه على أمل أن تكتمل العائلة في المنام، أو أن يستيقظ في صباحٍ آخر لا يحمل وجعًا.
"حين أنام هنا، أشعر أنهم ينادونني. أسمع أصواتهم تهمس باسمي. لهذا أبقى، لأني لا أحتمل فراقهم حتى في الصمت."