يربط الكاتب الأردني إسماعيل الشريف بين موجة الاحتجاجات العالمية المتصاعدة في أوروبا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وبين التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب على غزة في الوعي الجمعي العالمي.
ويعتبر الشريف في مقاله المنشور على وكالة الأناضول أن غزة تحولت إلى رمزٍ كوني للظلم، وأيقونةٍ ألهمت جيلًا جديدًا من التمرد الشعبي.
ويفتتح الشريف مقاله بالإشارة إلى قانون عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون حول «النتائج غير المقصودة»، موضحًا أن ما نشهده اليوم هو تجلٍّ حيّ لذلك القانون: فسياسات الدول الكبرى وممارساتها أدت إلى انفجار احتجاجي عالمي لم يكن في حسبان أحد.
ويستعرض الكاتب خريطةً واسعةً للاحتجاجات:
في أوروبا: برلين وروما وباريس تشهد تظاهرات ضد الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة، وسقوط الحكومة الفرنسية بعد أزمة الموازنة، واحتجاجات ألمانية ضد الهجرة وارتفاع أسعار الطاقة.
في آسيا: اليابان تهتز باستقالة رئيس وزرائها وتولي أول امرأة اليمين الشعبوي، فيما انهارت حكومة نيبال تحت ضغط الشارع.
في أفريقيا: كينيا ونيجيريا ومدغشقر على وقع الغلاء والضرائب والفساد.
في أمريكا الجنوبية: الأرجنتين والبرازيل تشهدان احتجاجات ضد سياسات التقشف وتفاقم الفوارق الاجتماعية.
ويصف الكاتب هذا المشهد بأنه «موجة تمرد عالمي»، يقودها جيل «زد» الرقمي (1997–2012) الذي يوظّف أدوات التواصل الحديثة لتنظيم الحراك في ساعات، دون قيادة مركزية أو هياكل حزبية تقليدية.
جيل جديد يصوغ السياسة من الشارع
ويرى إسماعيل الشريف أن هذا الجيل، المتعب من الشعارات الإصلاحية البطيئة، قرر أن يصنع التغيير مباشرة في الشارع.
ويؤكد أن الاحتجاجات ليست عشوائية، بل تعبّر عن انهيار الثقة في الحكومات والنظام الديمقراطي الغربي، وتنذر بتحولات كبرى في الشرعية السياسية، إذ لم تعد الديمقراطية قادرة على امتصاص الغضب الشعبي أو احتوائه.
غزة.. شرارة الوعي العالمي الجديد
ويذهب الكاتب إلى أن هذه الموجة الاحتجاجية لا يمكن فصلها عن الحدث المفصلي في غزة، الذي فجّر – بحسب رأيه – وعيًا إنسانيًا كونيًا جديدًا.
ويطرح ثلاثة محاور لتفسير هذا التأثير:
1. انكشاف النفاق الدولي:
الحرب على غزة عرّت ازدواجية المعايير في الغرب، حيث تُبرَّر الجرائم ضد المدنيين الفلسطينيين باسم «الدفاع عن النفس». هذا المشهد، كما يكتب الشريف، «أيقظ الشعوب على تناقض خطابات حكوماتها حول الحرية والعدالة».
2. تجربة الوعي الجماعي:
المظاهرات التضامنية مع فلسطين كانت الشرارة الأولى، إذ خرج الملايين من الشباب لأول مرة حاملين الأعلام الفلسطينية، ليدركوا قوتهم الجماعية وآليات المواجهة مع الإعلام والساسة. ومن هنا، انتقلت روح الاحتجاج إلى قضايا داخلية في بلدانهم.
3. غزة كمرآة لبنية الظلم العالمي:
يوضح الكاتب أن الدفاع عن غزة تحوّل من تعاطفٍ عاطفي إلى وعيٍ سياسي عالمي يرى في فلسطين مرآةً لأنظمة القهر في كل مكان، من تحالف رأس المال والسلطة إلى قمع الفقراء وتهميش الأصوات الحرة.
طوفان الأقصى.. لحظة إعادة تشكيل العالم
ويؤكد إسماعيل الشريف أن عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كانت نقطة انعطاف في التاريخ الحديث، أحدثت زلزالًا في الوعي العالمي، وأعادت تعريف مفاهيم العدالة والمقاومة والتحالفات الدولية.
ويرى أن المؤسسات الأكاديمية والبحثية عاجزة اليوم عن إدراك حجم التحول الذي أحدثته غزة في الرأي العام العالمي، معتبرًا أن القرن الحادي والعشرين دخل مرحلة «ما بعد غزة» سياسيًا وأخلاقيًا.