بيت أم زهري... خرجت العجوز وبقيت المفاتيح تبكي على الباب

بيت أم زهري... خرجت العجوز وبقيت المفاتيح تبكي على الباب
بيت أم زهري... خرجت العجوز وبقيت المفاتيح تبكي على الباب

الرسالة نت- خاص

خرجت أسمهان شويكي من بيتها في بطن الهوى بالقدس المحتلة مجبرة وليست مخيرة.

يعرفها أهل الحي باسم "أم زهري"، ولكنها اليوم خرجت محمولة على كرسي متحرك لا يعرف إلى أين يسير، تحمله أيدي شباب الحي الذين كبروا أمام عتبة بيتها.

كانت تحدق في جدرانها التي تتراجع خلف صفوف الجنود، في نوافذها التي أُغلقت كأنها تخجل من النظر إليها. لم تصدق أن تعب العمر وذكرياته يمرّ إلى يد غريبة بهذه البساطة... بهذه الفظاعة.

منزلها في حي بطن الهوى — ذاك الذي كانت تزرع أمامه النعناع وتوزع قهوة الصباح على الجيران — صار اليوم "موقعاً استيطانياً محمياً بالقانون". قانون كتبته يد الغاصب، ووقّعه التاريخ بدموع المدينة.

دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر الأحد إلى البيت، لا لتسأل، بل لتأخذ. أخلت أم زهري (79 عاماً) منزلها وسلمته لجمعية استيطانية تدّعي أن الأرض تعود ليهودٍ قدموا من اليمن عام 1881. ربما سيعود أولئك اليمنيون غداً ليطالبوا أيضًا بالنعناع الذي كانت تزرعه أم زهري عند الباب.

أم زهري لم تحتمل المشهد. لم يحتمل قلبها فكرة أن أحدهم يؤدي "طقوساً دينية" في باحة بيتها بينما ما تزال آثار خطواتها على البلاط. نُقلت إلى المستشفى بعد تدهور حالتها الصحية، فيما بقي الجنود يحرسون المستوطن وهو يرفع صلواته في بيتٍ مسروق.

في الخارج، كانت الطرق مغلقة. قالوا للناس: "ابتعدوا، هناك قانون يُنفذ". لكن القانون كان يجر امرأة على كرسي، ويُسلم بيتها لمن جاء من وراء البحر.

محافظة القدس قالت إن الاحتلال نفّذ الإخلاء قبل الموعد الذي حدّدته محكمته الخاصة، وكأنهم استعجلوا سرقة الدفء قبل أن يبرد الطقس.

ثلاثة منازل من عائلتي الشويكي وعودة أُخليت في الحي، لصالح جمعية "عطيرت كوهنيم" التي لا ترى في بيوت الناس إلا عقارات استثمارية على طريق “الخلاص المزعوم”.

وربما بعد قليل سيضعون لافتة تقول: “مرحباً بكم في حي بطن الهوى الجديد – بإدارة عطيرت كوهنيم”.

في حي بطن الهوى يعيش نحو 750 مقدسياً من 87 عائلة، كلهم ينتظرون دورهم في الطابور الطويل للتهجير، تماماً كما ينتظر المرضى نداء الممرض في مستشفى مكتظ.

بعضهم يجهز الحقائب، وبعضهم يزرع الورد حول الباب، كأن الورد سيقنع الجرافات بالتراجع.

وفي المساء، كانت أم زهري تهمس من سريرها في المستشفى: "خذوا البيت، لكن لا تستطيعون أخذ رائحته من ذاكرتي... ولا صوت الأذان حين يتسلل من الشباك في الفجر."

في القدس، كل شيء يُسرق  حتى حكاية المدينة العربية المسلمة.

لكن حكاية أم زهري لن تُسرق، لأنها خرجت من باب البيت مرفوعة على أكتاف الجيران، لا على أكتاف الجنود. خرجت كما يخرج الكبار في الأساطير: مغلوبة الجسد، منتصرة المعنى.