في حلقةٍ تُبث مساء اليوم على قناة ITV البريطانية، يكشف البرنامج الوثائقي "Breaking Ranks: Inside Israel’s War" عن شهاداتٍ صادمة لجنودٍ من جيش الاحتلال الإسرائيلي شاركوا في حرب الإبادة على غزة.
من بين الشهادات التي رُصدت قبل البث، اعترافات لجنود يتحدثون هذه المرة بصراحة مدهشة — لا ليُبرّروا، بل ليشرحوا ببساطة قواعد استهداف الفلسطينيين خلال الحرب، كما لو أنهم يعرضون نتائج تجربةٍ علمية على أجساد المدنيين.
يقول أحد الجنود، بلغةٍ منضبطة، دون خجلٍ أو إحساسٍ بالعار، بل بكثيرٍ من التباهي والسخرية:
"إذا كانوا يسيرون بسرعة كبيرة فهم مشبوهون، وإذا كانوا يسيرون ببطء شديد فهم مشبوهون."
في هذا المنطق الغريب السادي؛ لا ينجو الفلسطيني من الشك حتى وهو ساكنٌ في مكانه؛ فالسرعة جريمة، والبطء مؤامرة، والوقوف انتظارٌ لذنب!
وكلها أسباب كافية لتبرير القصف.
وفي شهادةٍ أخرى، يروي أحد الجنود كيف قصفت دبابته مبنى في منطقة مصنَّفة "آمنة":
"كان هناك رجل يقف على السطح ينشر الغسيل، ظنّ الضابط أنه مراقب. كانت أقرب قوة عسكرية على بُعد نحو 700 متر، لكننا أطلقنا القذيفة على أي حال."
ثم انفجر المبنى، وانهارت طوابقه، وارتفع الغبار.وغادر الجنود المكان بضميرٍ مرتاح. فهل كان مجرد غسيلٍ ينشره مدنيٌّ فلسطيني فوق سطح منزله يشكّل تهديدًا لهؤلاء؟!
الجنود يعترفون أيضًا بأنهم تأثروا بخطاب السياسيين والحاخامات الذين أكدوا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أن "كل فلسطيني هدفٌ مشروع."
بهذا التصريح، تحوّل الاحتلال رسميًا إلى مشروعٍ لمسح الفلسطيني وتحوّل الخطاب العسكري إلى مسرحيةٍ من فصلٍ واحد: "اقتل أولًا، واسأل لاحقًا."
أما المفارقة الأكبر، فكانت حين كشف الجنود عن مصطلحهم السري لاستخدام المدنيين كدروعٍ بشرية؛ اسمٌ يليق بدولةٍ تدّعي الأخلاق:
"بروتوكول البعوض."
ففي هذا البروتوكول، يُعامَل الفلسطيني كما يُعامَل الناموس: مزعج، صغير، يقترب كثيرًا من الضوء، ويُقتل دائمًا بحجة "الوقاية".
البرنامج لا يقدّم مفاجآت بقدر ما يعرض كوميديا مرعبة تُظهر جيشًا يضحك وهو يقصف، وسياسيين يتحدثون عن الإبادة بلغة القانون، وجنودًا يروون جرائمهم كما يروي أحدهم مغامرات عطلة نهاية الأسبوع.
في عالمٍ طبيعي، تُعرَض هذه القصص في المحاكم، لكن في هذا العالم المعكوس، تُعرَض على شاشة التلفاز! ثم تتحوّل المأساة إلى مشهدٍ، والجرائم إلى محتوى إعلامي، ويتحوّل الجنود إلى "أبطالٍ نادمين بنصف قلب"، بدل أن يُلقى بهم في السجون — كأيّ مرتكب إبادةٍ جماعية.