يشهد قطاع غزة وضعا إنسانيا وصحيا بالغ الخطورة بعد عامين من الحرب الإسرائيلية المدمرة، التي خلّفت وراءها دمارا شاملا للبنية التحتية وأزمات إنسانية غير مسبوقة تطال أكثر من مليوني إنسان يعيشون في ظروف قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ومع اقتراب موسم الشتاء، تتزايد المخاوف من تفاقم الكارثة الإنسانية في ظل انعدام المأوى الملائم، والنقص الحاد في الإمدادات الغذائية والطبية، وتدهور الخدمات الأساسية في المستشفيات والمرافق الحيوية.
معاناة النازحين
وكشفت بلدية غزة في بيانها الأخير أن أكثر من 90% من خيام النازحين لم تعد صالحة للاستخدام، نتيجة تعرضها للتلف والاهتراء بعد أشهر طويلة من الاستخدام تحت أشعة الشمس والأمطار والرياح، ما يجعلها غير قادرة على حماية الأسر النازحة من ظروف الطقس القاسية.
ومع اقتراب فصل الشتاء، حذّرت البلدية من أن عشرات آلاف العائلات مهددة بكارثة حقيقية إذا لم يتم الإسراع في توفير خيام جديدة أو بدائل أكثر أمانًا مثل الكرافانات.
وتشير التقديرات المحلية إلى حاجة عاجلة إلى نحو 300 ألف خيمة جديدة لتأمين الحد الأدنى من الإيواء، خصوصا أن الكثير من الأسر ما زالت تفترش الأرض في العراء أو داخل مبانٍ مدمرة جزئيا تفتقر للأمان والمياه والكهرباء.
كما أن غياب أنظمة الصرف الصحي وانتشار البرك والمياه الملوثة في المناطق المكتظة يزيد من احتمالية انتشار الأمراض والأوبئة في أوساط النازحين، وخاصة الأطفال وكبار السن.
وفي ظل هذا الواقع المأساوي، حذّرت المؤسسات الأهلية والإغاثية من أن فصل الشتاء المقبل قد يكون الأصعب في تاريخ القطاع، إذ تواجه الأسر النازحة نقصا في الملابس والأغطية والوسائل البديلة للتدفئة، بينما تعاني المرافق العامة من ضعف شديد في خدمات الكهرباء والمياه.
وأكدت منظمات الإغاثة أن كميات المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع لا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات الهائلة، إذ لا يتجاوز عدد الشاحنات المسموح بدخولها يوميا 600 شاحنة، وهي كمية لا تكفي لمليوني نسمة يعيشون في ظروف نزوح قسري وفقدان شبه كامل لمصادر الدخل.
كما دعت المؤسسات الدولية إلى رفع القيود المفروضة على حركة المساعدات والسماح للقطاع الخاص والمنظمات الدولية بإدخال المواد الإغاثية الضرورية، خصوصًا المستلزمات الخاصة بالإيواء والغذاء والمياه والطاقة.
وأشارت إلى أن منع دخول المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام وفتح الطرق يعرقل بشكل كبير جهود الإغاثة والوصول إلى المناطق المنكوبة.
ركام يعيق الإعمار
من جهته، قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، إن نحو 55 مليون طن من الركام وحطام المنازل والمنشآت الناتجة عن التدمير الواسع خلال عامين من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تعرقل عمليات الإغاثة والإيواء العاجلة للنازحين.
وأضاف الشوا أن كلفة إعادة إعمار غزة تقدّر بين 70 و90 مليار دولار، مؤكدا أن العملية ستحتاج إلى سنوات طويلة نظرا لحجم الدمار الذي طال جميع القطاعات الحيوية.
وأشار إلى أن القطاع يواجه دمارا شاملا في البنية التحتية ونقصا في الآلات الثقيلة ومستلزمات الإيواء، مع حاجة فورية إلى 300 ألف خيمة وكرفان قبل فصل الشتاء، بالإضافة إلى الغذاء والمياه ومولدات الكهرباء وألواح الطاقة الشمسية لتأمين الخدمات الأساسية للمستشفيات والبلديات.
وطالب الشوا بضرورة إشراف دولي على إدخال المساعدات الإنسانية وضمان التزام الاحتلال بتسهيل دخولها دون قيود، وتمكين الأونروا والمنظمات الدولية من العمل بحرية، في ظل ضعف التمويل وتأخر الاستجابة الإنسانية.
أما في المجال الصحي، فإن الوضع في المستشفيات والمراكز الطبية يعد كارثيا بكل المقاييس، فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة أن العديد من المستشفيات تعمل بأقل من 30% من طاقتها التشغيلية بسبب النقص الحاد في الوقود والمعدات والأدوية، إضافة إلى تضرر البنية التحتية للمرافق الصحية.
ولا تتوفر في أغلب المستشفيات مستلزمات العمليات الجراحية والعناية المركزة، كما أن مخزون المحاليل الوريدية والمضادات الحيوية شارف على النفاد، مما يهدد حياة آلاف الجرحى والمرضى المزمنين.
وأكدت الوزارة أن أكثر من 60% من الأجهزة الطبية خارج الخدمة بسبب انقطاع الكهرباء أو عدم توفر قطع الغيار، وأن العديد من أقسام الطوارئ تستقبل المرضى على الأرض لعدم وجود أسِرّة كافية.
كما حذرت من انتشار الأمراض المعدية، خصوصًا في مراكز الإيواء المكتظة التي تفتقر للنظافة والمياه الصالحة للشرب.
تطالب المؤسسات الصحية والإغاثية بضرورة تدخل المجتمع الدولي بشكل فوري لإدخال المستلزمات الطبية والوقود والمعدات اللازمة لتشغيل المستشفيات والمخابر، إلى جانب إرسال فرق طبية متخصصة للمساعدة في معالجة الأعداد الكبيرة من الجرحى والمصابين بالأمراض المزمنة.
كما تدعو إلى تأمين ممرات إنسانية آمنة تسمح بوصول المساعدات إلى مختلف مناطق القطاع دون عراقيل، وإلى وضع آلية رقابة دولية تضمن تنفيذ التعهدات والالتزامات الإنسانية من قبل جميع الأطراف.