قائمة الموقع

جيلٌ يُنتزع من طفولته: أطفال غزة بين صدمات الحرب وأدوار البقاء القاسية

2025-11-14T07:31:00+02:00
الرسالة نت - متابعة

لم يعد أطفال غزة يشبهون أعمارهم. ففي السنوات التي يُفترض أن تُزيَّن باللعب والدراسة والأحلام الصغيرة، وجد هؤلاء الصغار أنفسهم في قلب معركة يومية للبقاء؛ يقفون في طوابير المياه، يحملون جالونات أكبر من أجسادهم، ويقطعون مسافات طويلة بحثًا عن الطعام والشراب، فيما تختفي ملامح الطفولة تحت غبار الحرب والجوع والخوف. لم يعد البكاء هو ردّ فعلهم الطبيعي، بل صار الصمت والحدة والعدوانية لغة يومية تُعرّف هذا الجيل الذي يعيش فوق الركام.

انهيار نفسي واسع: الحرب تُعيد تشكيل سلوك الأطفال

كشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن أرقام صادمة تظهر أن أكثر من 9 من كل 10 أطفال في غزة يعانون من سلوك عدواني مرتبط مباشرة بالحرب. إذ أظهر 93% من الأطفال نزعات عدوانية، بينما مارس 90% منهم العنف تجاه أطفال أصغر سنًا. وفي الوقت ذاته، يعيش 86% حالة حزن وانعزال، ويعاني 79% من اضطرابات في النوم، فيما يُظهر 69% رفضًا للدراسة أو أي نشاط تعليمي.

هذه المؤشرات، وفق خبراء حماية الطفل، لا تعكس اضطرابًا عابرًا، بل تحوُّلًا نفسيًا عميقًا يُعيد تشكيل جيل كامل تحت الضغط المستمر.

أدوار جديدة فُرضت على الطفولة: طوابير الماء ومسافات الجوع

لم تعد المشاهد اليومية للأطفال في غزة تُشبه أي مدينة أخرى في العالم. فالغذاء والماء، وهما أبسط حقوق الحياة، باتا معركتين يوميتين:

  • أطفال يحملون جالونات ماء أكبر من أجسادهم، يقفون بالساعات في طوابير طويلة تحت الشمس أو البرد.
  • آخرون يقطعون مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى نقطة توزيع أو بئر محلي.
  • طفلات لم يتجاوزن العاشرة يساعدن أمهاتهن في جمع الحطب أو الوقوف في صفوف الخبز.
  • صغار يجوعون لساعات طويلة، بعدما باتت وجبة واحدة يوميًا هي أقصى ما تحصل عليه كثير من العائلات.

هذا التحوّل في تفاصيل الحياة اليومية جعل الأطفال يعيشون "حياة الكبار" قبل أوانها، وأدخلهم في دائرة من الإجهاد النفسي والجسدي تُفاقم آثار الحرب.

غياب الأمان الكامل: استمرار العنف وتقييد الحركة

تؤكد تقارير الأمم المتحدة استمرار العنف المميت وانعدام الأمن، خصوصًا في المناطق القريبة من الخط الأصفر، حيث ينتشر الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة القطاع. كما يبقى الوصول إلى البحر محظورًا، وسط اعتقالات متكررة للصيادين الفلسطينيين، فيما تتعرض مناطق أخرى لتفجيرات يومية تمنع السكان، بمن فيهم الأطفال، من الوصول إلى أراضيهم أو مرافق البنية التحتية.

مليون نازح في مواقع مكتظة.. ومخاطر مضاعفة على الأطفال

يشير مكتب "أوتشا" إلى أن ما يقرب من مليون شخص يعيشون في 862 موقع نزوح داخل غزة، معظمها مكتظ بشكل خانق، ما يضاعف المخاطر على الفتيات والأطفال، خصوصًا ذوي الإعاقة والأطفال المنفصلين عن عائلاتهم. في هذه الفضاءات الضيقة، تتزايد احتمالات العنف والإهمال، فيما يكافح الأهالي لتوفير الحد الأدنى من الأمان.

خدمات نفسية محدودة أمام احتياج هائل

رغم الجهود الإنسانية، تمكّنت المنظمات من الوصول إلى نحو 132 ألف طفل و45 ألف مقدّم رعاية خلال الأسابيع الأربعة التي تلت الهدنة. لكن هذه الأرقام لا تغطي إلا جزءًا صغيرًا من احتياجات مليون طفل يعيشون في القطاع.

وتشمل الخدمات جلسات دعم نفسي فردية وجماعية وأنشطة للتعامل مع التوتر، لكن العاملين يؤكدون أن غياب الاستقرار واستمرار العنف يجعل التعافي شبه مستحيل في الوقت الحالي.

دراسة جديدة تكشف الوجه الأعمق للصدمة

وفي دراسة جديدة أجرتها مؤسسات دولية ونشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، تبين أن:

  • 96% من الأطفال يشعرون بأن الموت قريب منهم.
  • 92% لا يتقبلون واقعهم القاسي.
  • 87% يعانون خوفًا شديدًا وممتدًا.
  • 79% يعانون كوابيس متكررة.
  • 49% يتمنون الموت نتيجة الألم النفسي المستمر.

كما تُظهر الدراسة أن 88% من العائلات نزحت أكثر من مرة، وأن 24% من الأسر تُدار اليوم بواسطة أطفال لا تتجاوز أعمارهم 16 عامًا، بعدما فقدوا ذويهم أو أصيبوا بشدة.

وتحذّر منظمة "أطفال الحرب" من أن غزة أصبحت "أحد أخطر الأماكن في العالم على الأطفال"، مؤكدة أن استمرار الحرب سيحوّل الصدمة إلى أثر يمتد عبر الأجيال، وأن وقف إطلاق النار الفوري هو الحد الأدنى المطلوب لإنقاذ ما تبقى من هذا الجيل.

 

اخبار ذات صلة