مع دخول فصل الشتاء، تقف آلاف العائلات في قطاع غزة أمام خيارين أحلاهما مُرّ: البقاء في خيام باردة تفيض بمياه الأمطار، أو الاحتماء داخل منازل مدمّرة وآيلة للسقوط قد تنهار في أي لحظة فوق رؤوس ساكنيها.
فمنذ أن دمّرت الحرب الإسرائيلية عشرات آلاف الوحدات السكنية، وجد كثير من النازحين أنفسهم مجبرين على العودة إلى بقايا منازلهم المتصدّعة، بعد أن ضاقت بهم الحياة في الخيام التي لم تعد تقوى على مقاومة برد الشتاء أو سيول الأمطار. ومع استمرار منع الاحتلال إدخال الخيام الجديدة أو الكرفانات الجاهزة، تتفاقم مأساة الأسر التي لا تجد مأوى بديلاً.
وخلال الأسبوع الماضي، انهار مبنى في مخيم الشاطئ على سكانه، فهرعت طواقم الدفاع المدني لانتشال العالقين من تحت الركام، ما أدّى إلى إصابة عدد من أفراد الأسرة.
لم يكن ذلك المبنى الوحيد فسبقه انهيار عدد من المباني بعضها تسبب بوفاة عدد من قاطنيها، فيما لايزال اللآلاف معرضين للخطر في أي لحظة
***قلق مستمر
وتشكو عائلة المواطن خليل يوسف في حي الزيتون شرق مدينة غزة من خطورة مبنى مجاور لهم يتكوّن من أربعة طوابق "آيلة للسقوط"، كانت قد قصفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول خليل، البالغ من العمر 48 عاماً، إنهم يسمعون "طرقات" وأصواتاً أخرى تصدر من البناية بين الحين والآخر، ما يصيب عائلته بالخوف والقلق الشديدين، خاصة مع سقوط بعض الحجارة أمام منزلهم بشكل متكرر.
وتخشى العائلة سقوط أجزاء من المبنى على أطفالهم أثناء عبورهم من المكان، إذ يلاصق منزلهم المبنى المتصدّع، لكن لا خيارات بديلة لديهم مع دخول الشتاء وصعوبة العثور على مأوى آخر.
أما في حي التفاح وبين ركام منزله، يجلس أبو أنس قرب موقد صغير يحاول تدفئة أطفاله الثلاثة. يقول:“ليلة المطر الأولى كانت كارثة… الجدران تشقّقت أكثر، وسمعنا أصوات تكسّر داخل السقف. لكن يبقى هذا الحال أفضل من الخيمة.”
اضطر أبو أنس لإغلاق ثلاث غرف بشكل كامل بعد سقوط أجزاء من سقفها، ويعيش اليوم مع أسرته في غرفة واحدة متصدعة، وهو ما يعرّضهم للخطر.
وتشير تقديرات هندسية محلية إلى وجود آلاف المنازل التي أصبحت غير صالحة للسكن بسبب التشققات، وهبوط الأساسات، وتضرر الأعمدة الحاملة.
وتكشف الإحصاءات الصادرة عن الجهات الحكومية أن نحو 400 ألف وحدة من فئتي الهدم الكلي وغير الصالح للسكن خرجت عن الخدمة، وهو ما يمثّل 80% من إجمالي عدد الوحدات السكنية في القطاع، البالغة قرابة 500 ألف وحدة.
ووفق التقديرات الهندسية، فإن أكثر من 20 ألف وحدة سكنية تتطلّب إزالة عاجلة بسبب خطورتها البالغة على حياة السكان والمارة، في حين أن جزءاً كبيراً من هذه المباني يسكنه نازحون لا يجدون بديلاً، ما يزيد من احتمالات وقوع كوارث إنشائية.
ومع دخول الشتاء، يرتفع مستوى المخاطر بشكل واضح، إذ تتسبب السيول والرياح الشديدة في انجرافات للتربة قد تهدد استقرار المباني المتصدعة.
ويدفع ذلك كثيراً من العائلات إلى ترك الخيام والمراكز المؤقتة—التي لا توفر الحد الأدنى من الحماية—واللجوء إلى منازل إسمنتية خطرة اتقاءً لبرودة الطقس، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لحياتهم.
وطالبت الجهات المختصة المؤسسات الدولية والمحلية بالضغط على الاحتلال للسماح بإدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام والمباني الخطرة، إضافة إلى مستلزمات عاجلة غير إسمنتية—مثل الشوادر والخشب وصفائح الإسبست ومواد أساسية أخرى—لتجهيز وتحسين مراكز الإيواء المؤقت. ورغم الطلبات المتكررة منذ الهدنة الأولى، ما يزال الاحتلال يمنع إدخال هذه الاحتياجات.
ويؤكد مهندسون ميدانيون أن استمرار العائلات داخل هذه المباني قد يؤدي إلى انهيارات مفاجئة، خاصة مع الرياح الشديدة وتراكم مياه الأمطار على الأسقف المتضررة. ورغم التحذيرات المتكررة، يبقى كثيرون متمسكين ببقايا منازلهم لغياب البدائل ولعدم قدرتهم على تأمين إيجارات أو مأوى آخر.
*** لا بدائل
وحذّر جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة من خطر مباشر على المواطنين، بسبب تعرض آلاف المنازل لدمار كبير جعلها مهددة بالسقوط.
وقال المتحدث باسم الجهاز، محمود بصل، إن عشرات المواطنين ارتقوا وأصيب المئات نتيجة انهيار المنازل المتصدعة، داعياً السكان إلى الابتعاد عنها قدر المستطاع واللجوء إلى الخيام ومراكز الإيواء المتاحة.
وأوضح بصل في بيان صدر عنه أن عدد المنازل المهدّدة بالانهيار يقدَّر بالآلاف بسبب حجم الدمار الكبير، مشيراً إلى أن مدينة غزة تحمل النصيب الأكبر منه.
وتتركز المباني الآيلة للسقوط في أحياء التفاح والزيتون والرمال والزرقاء ومخيم الشاطئ، وهي المناطق التي اجتاحتها الروبوتات العسكرية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن لجوء المواطنين إلى تلك المباني يأتي نتيجة غياب البدائل وتعنت الاحتلال في إدخال الخيام والكرفانات الضرورية لإيوائهم، مؤكداً أن بقاء السكان فيها يشكّل خطراً كبيراً على حياتهم وحياة أطفالهم.
وقال إن طواقم الدفاع المدني، وخلال عملها اليوم في منطقة الزرقاء شمال شرقي مدينة غزة، وثّقت إصابة عدد من المواطنين بعد انهيار منزلين جرّاء تصدّع أساساتهما وجدرانهما الإسمنتية، كما أصيب آخرون إثر سقوط منزل في مخيم الشاطئ غربي المدينة.
ودعا بصل المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته وتوفير بدائل سريعة وآمنة للمواطنين—من خيام وكرفانات ومراكز إيواء—إلى حين بدء عملية إعادة الإعمار.
ومع تزايد المخاوف من شتاء قاسٍ، يحذّر المختصون من كارثة إنسانية حقيقية ما لم تُفتح ممرات لإدخال الخيام العازلة والكرافانات، أو البدء بحلول عاجلة لإيواء آلاف العائلات التي تعيش بين خطر الانهيار وقساوة التشرد.