مع دخول فصل الشتاء وتكرار المنخفضات الجوية، تتفاقم معاناة آلاف العائلات النازحة في قطاع غزة، إذ لم تعد الخيام مكانًا قابلًا للعيش، بل عبئًا يوميًّا يهدد حياة السكّان بفيضانات الأمطار والبرد القارس وانعدام الخصوصية. وفي ظل غياب أفقٍ واضح لبدء عملية الإعمار، تُطرح الكرفانات كحلّ إنساني عاجل يوفّر الحد الأدنى من الحماية والاستقرار للأسر المشرّدة.
خيام تنهار مع أولى قطرات المطر
فالخيمة، التي وُجدت لتكون مأوى مؤقتًا لساعات أو أيام خلال رحلة تخييم، تحوّلت اليوم إلى “منزلٍ إجباري” لعائلات فقدت كل شيء. ومع أول موجة أمطار، تتسرّب المياه من كل الجهات، ويتحوّل قاع الخيمة إلى مستنقع من مياه الأمطار المختلطة بالمياه العادمة.
تقول أم فارس، وهي أم لخمسة أطفال، إن خيمتها غرقت بعد تساقط الأمطار لساعات متواصلة:
“استيقظتُ على صراخ الأطفال والماء يدخل من كل اتجاه. لم نجد مكانًا جافًا نقف عليه. حملتُ أطفالي وخرجنا نركض تحت المطر نبحث عن خيمة قريبة فيها مساحة. قضينا الليل واقفين… لم أشعر يومًا بالعجز كما شعرتُ تلك الليلة”.
وتضيف أن الخيمة لا توفر أي حماية لها ولأبنائها، وأن البرد الشديد يحرم الأطفال من النوم ليلًا، بينما تظلّ متوجّسة في كل صباح من موجة مطر جديدة تهدم ما تبقى من خيمتها.
"الكرفان يمكن أن يعطينا بابًا نغلقه، وجدارًا نحتمي خلفه، ومكانًا يحفظ كرامتنا. إحنا مش طالبين بيت… بس بدنا نعيش بكرامة".
أما أبو مجاهد، الذي فقد منزله في شمال القطاع، فيقضي معظم يومه محاولًا تدعيم جوانب الخيمة بالأخشاب وقطع النايلون:
“كل ما نفعله هو الترقيع… الخيمة لا تصلح للعيش. كل يوم تنهار من جهة فنصلحها، وفي الليل أبقى ساهرًا أخاف أن تسقط على زوجتي وأطفالي. أنا مش قادر أقدّم لهم شيء… حتى سقف يأويهم مش قادر أوفّره”.
ويصف الخيمة بأنها لا تقي حرًّا ولا بردًا، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن منزل ولو بشكل مؤقت، داعيًا إلى توفير كرفانات في أسرع وقت، خصوصًا أن الإعمار قد يستغرق سنوات طويلة.
الكرفان… حلّ إنساني
وتكشف الإحصاءات الحكومية أن نحو 400 ألف وحدة سكنية من فئتي الهدم الكلّي وغير الصالح للسكن خرجت عن الخدمة، وهو ما يمثّل 80% من إجمالي الوحدات السكنية في القطاع، البالغة قرابة 500 ألف وحدة.
ومع تأخر الإعمار الذي قد يمتد لسنوات، تصبح الخيمة خيارًا غير إنساني وغير صالح مطلقًا للسكن طويل الأمد. فهي تفتقر إلى العزل الحراري، وتنهار مع الرياح، وتتحول إلى بركة ماء في الشتاء، فضلًا عن انعدام الخصوصية، وصعوبة استخدام دورات المياه، وضيق المساحة الذي يخلّف أزمات نفسية وصحية.
في المقابل، توفّر الكرفانات حدًّا أدنى من الأمان، إذ تتميّز بجدران صلبة، وسقف مقاوم للمطر، وإمكانية تركيب باب ونوافذ، إضافة إلى بيئة أكثر دفئًا واستقرارًا. كما أنها قابلة للنقل وإعادة الاستخدام، ويمكن تجهيزها بدورات مياه ومطابخ بسيطة تمنح الأطفال والنساء شعورًا أوّليًا بالأمان والاستقرار المفقود.
الخيام لا تصلح للعيش
وقال جهاز الدفاع المدني الفلسطيني، الثلاثاء، إن الخيام التي تؤوي النازحين خلال حرب الإبادة الجماعية “لا تصلح للعيش”، مطالبًا الجهات الدولية والإنسانية بتوفير كرفانات آمنة بديلًا مؤقتًا إلى حين بدء إعادة الإعمار.
وجاء ذلك في بيان للمتحدث باسم الجهاز، محمود بصل، عقب المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع ليل الاثنين – الثلاثاء وتسبّب في غرق مئات الخيام.
وأضاف بصل:
“من خلال المتابعة الميدانية لمراكز الإيواء، ومع تلقي آلاف المناشدات، نؤكد أن الخيام لا تصلح مطلقًا للعيش ولا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة، خاصة مع دخول الشتاء واشتداد المنخفضات الجوية”.
وأوضح أن الخيام تسمح بتسرّب الأمطار، ولا تحمي الأطفال والنساء وكبار السن من البرد والرياح، إضافة إلى افتقارها لشروط السلامة والخصوصية. وشدد على أنه لا يمكن اعتبارها حلًا مؤقتًا، إذ أصبحت مصدر خطر حقيقي على حياة الناس.
ودعا الجهات الدولية والإغاثية إلى التحرك العاجل لتوفير كرفانات مجهّزة تحفظ كرامة النازحين وتوفر لهم سكنًا آمنًا إلى حين بدء الإعمار.
ووفق المكتب الحكومي، يحتاج القطاع إلى نحو 300 ألف خيمة أو بيت متنقل لتأمين الحد الأدنى من السكن، في ظل الدمار الهائل الذي طال 90% من البنى التحتية المدنية، وخلف 70 مليون طن من الركام.
وبين خيمة تُغرقها الأمطار، وإعمار قد يتأخر لسنوات، يبقى توفير الكرفانات خطوة إنسانية ضرورية وحقًا أساسيًا للنازحين الذين يعيشون اليوم أقسى ظروفهم.
فحماية المدنيين تبدأ من توفير مأوى يحفظ كرامتهم… وأقلّه سقف لا يسقط فوق رؤوسهم.