في قلب مدينة نيويورك، وعلى طول الجادة الخامسة الشهيرة بمحلاتها الفاخرة، اندلعت أمس لحظات من الغضب والاحتجاج. كانت أجواء "بلاك فرايدي" تعج بالمشترين، إلا أن مجموعة من النشطاء المؤيدين لفلسطين اختاروا أن يوقفوا هذا الصخب لأجل رسالة أقوى من أي خصم تجاري.
تجمع النشطاء أمام واجهات متجر "زارا"، ورفعوا لافتات، وهتفوا: "بينما أنتم تتسوقون، القنابل تتساقط"، متهمين المتجر بالتواطؤ مع حرب إبادة ضد الفلسطينيين.
ولم يقتصر الأمر على "زارا"، فقد واصلوا تحركهم نحو متاجر كبرى أخرى، بينها "آبل" و"ميكروسوفت"، مرددين هتافات قوية: "مايكروسوفت، لا يمكنكِ الاختباء، نحن نتهمكِ بالإبادة الجماعية".
هذه الفعاليات التي تزداد تثبت أنه وعلى الرغم من محاولات السياسة إقناع العالم بأن وقف إطلاق النار كافٍ لإسكات الغضب، بدأت غزة في الواقع نسخة جديدة من الموت؛ إذ دخل القطاع مرحلة يُسمع فيها صوت الفقد .
ومع ذلك، يبدو أن المتضامنين لم يعودوا قادرين على تحمل صمت الشاشات، واقتنعوا أن محاربة الاحتلال (الإسرائيلي) واجبة ويجب أن تستمر، وفي أوروبا تحديدًا لا زال الخروج إلى الشوارع مستمرًا.
أوروبا… نيابة عن الآخرين
في نوفمبر 2025، ورغم محاولات العالم إظهار أن الهدنة كافية، ظلت الشوارع في لندن وحدها تقول شيئًا مختلفًا. ففي 20 نوفمبر، احتشد المتظاهرون أمام وزارة العدل البريطانية دعمًا لحركة Palestine Action، وانتهى اليوم باعتقال 47 محتجًا حاولوا تذكير الحكومة بأن غزة ليست خبرًا عابرًا.
وبعد ثلاثة أيام، في 23 نوفمبر، تجددت الأصوات في قلب العاصمة البريطانية، أمام Tavistock Square، في مظاهرة اعترضت على حظر الحركة، وارتفع معها عدد المعتقلين إلى نحو 90 شخصًا، في مشهد أعاد التأكيد على أن التضامن الشعبي لا يخضع لحسابات السياسة.
كما أعلنت Global Movement to Gaza تنظيم احتجاجات منسقة في 13 مدينة حول العالم في 29 نوفمبر 2025، بما في ذلك برلين، باريس، روما، ومدن أخرى؛ ومن المؤسف أن نذكر أن العالم العربي لا يزال صاحب المقعد الفارغ في هذا التضامن.
أين تقف غزة؟
أشار الكاتب جلال الورغي في مقاله على موقع الجزيرة نت إلى أهمية دعم موجة تضامن ثانية مع غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، وقال:"مع انتهاء الحرب وتبني مجلس الأمن قرارًا مثيرًا للجدل، لا تزال الحاجة ماسة لموجة ثانية من الحراك العالمي. فالاحتجاجات السابقة أجهضت مخطط التهجير القسري وساهمت في وقف الحرب، لكنها لم تنهِ الاحتلال (إسرائيل) أو تحقق حقوق الفلسطينيين".
وشدد الورغي على أن الاحتلال؛ بحكومته المتطرفة، لا يؤمن بالسلام، واستمرار سياساته الاستيطانية وانتهاكاته الإنسانية يفرض استمرار الضغط الدولي والشعبي.
وأضاف: "الموجة الثانية من التضامن ضرورية لحماية المكتسبات السابقة، ولجم الانتهاكات الاحتلالية (الإسرائيلية)، وإبقاء القضية الفلسطينية على الأجندة العالمية. كما أنها تعزز الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة".
وأكد الورغي أن هذه المظاهرات من شأنها إعادة تشكيل الرأي العام العالمي باتجاه العدالة والكرامة، وتجعل المجتمع الدولي مضطرًا لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة .
وأضاف: "استمرار الحراك ليس خيارًا، بل واجب إنساني وأخلاقي لحماية الحقوق الفلسطينية ودعم التحرر الوطني".