غزة بين الألم والصمت.. انهيار صحي شامل يهدد حياة الآلاف

غزة بين الألم والصمت.. انهيار صحي شامل يهدد حياة الآلاف
غزة بين الألم والصمت.. انهيار صحي شامل يهدد حياة الآلاف

الرسالة نت- خاص

لم يعد القطاع الصحي في غزة قادرا على الصمود أمام حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة، فمع توقف الحرب دون توقف الحصار، تواجه المستشفيات ومراكز العلاج انهيارا غير مسبوق في الإمكانات، جعل آلاف المرضى على قوائم الانتظار وبعضهم يفارق الحياة قبل وصول فرصة العلاج.

وتحول القطاع الصحي إلى ساحة مجهزة بالحد الأدنى من الأدوات، تدار فيها معركة يومية لإنقاذ المرضى، بما تبقى من معدات غير صالحة للعمل أو أدوية شحيحة لا تكفي لأيام.

ويشير العاملون في القطاع الطبي إلى أن الهدوء النسبي للحرب لم ينعكس على الواقع الإنساني، بل زادت الأزمات تعقيدا، فقد توقفت المختبرات ونفدت المواد الأساسية من غرف العمليات وأصبحت المستشفيات تعتمد على ما يصلها من شاحنات طبية محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية.

بانتظار قرار!

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تظهر معاناة المرضى كقصة إنسانية مضاعفة، ليس فقط بسبب إصاباتهم، بل بسبب عجز المستشفيات عن توفير العلاج لهم.

وتتحول الحدود والمعابر المغلقة إلى حواجز تمنع آلاف المصابين والمرضى من الوصول إلى العلاج في الخارج، في وقت تتكدس فيه الحالات الخطيرة في أقسام الطوارئ أو في منازلهم بانتظار قرار أو معجزة تفتح لهم طريق الحياة.

من بين هؤلاء المرضى يقف الجريح سند عبدربه، الشاب الغزّي الذي أصيب قبل نحو عام بإصابة خطيرة في البطن بقصف منزلهم، ومنذ ذلك الوقت يعيش سند رحلة طويلة مع الألم والتنقل بين المستشفيات التي لم تعد تملك القدرة على إجراء العمليات الدقيقة التي يحتاجها.

ويقول إن إصابته تسببت له بمشاكل معقدة في الأمعاء والجهاز الهضمي جعلت حياته اليومية صراعا مستمرا بين الألم والعلاج المؤجل، ورغم الجراح التي أنهكته، إلا أن فقدان الرعاية الطبية المناسبة كان هو الجرح الأكبر.

ويستنكر عبدربه أن تتوقف إمكانية علاجه بسبب عوامل خارجة عن إرادته، مبينا أنه كان من المفترض أن يغادر القطاع لاستكمال العلاج في الخارج، لكن إغلاق المعابر ومنع التحويلات الطبية جعله أسيرا للمرض داخل غزة.

ويشير إلى أن الأطباء أخبروه بأن بقاءه على هذا الوضع يشكل خطرا حقيقيا على حياته، وأن أي تأخير إضافي في السفر قد يؤدي إلى مضاعفات لا يمكن علاجها داخل القطاع.

ويتحدث سند عن الجولات التي أجبرته إصابته على القيام بها بين مستشفى وآخر بحثا عن علاج أو فحص، لكنه صدم بأن معظم الأقسام توقفت عن العمل بسبب نفاد المستلزمات الطبية.

ويؤكد أن الأمر لم يعد يتعلق بنقص في دواء واحد أو جهاز طبي، بل انهيار كامل لمقومات العمل الصحي، فقد توقفت المختبرات بسبب نفاد المواد التشغيلية وتعطلت غرف العمليات نتيجة نقص المحاليل والشاش وأدوات الجراحة الأساسية.

ويقول إن الأطباء يبذلون جهودا خارقة لإنقاذ المرضى، لكنهم يعملون بلا إمكانات، مضيفا: "الطبيب يواجه عشرات الحالات يوميا لكن لا يملك إلا القليل، الأمر أشبه بمحاولة إطفاء حريق كبير بكوب من الماء".

ويشير إلى أن مشاهد المرضى الذين ينتظرون ساعات وربما أيام أمام غرف الطوارئ أصبحت جزءا من اليوم العادي داخل المستشفيات.

وبينما يحمل سند أوراق تحويله الطبي التي حصل عليها قبل عدة أشهر، إلا أنها بلا جدوى ما دام المعبر مغلقا. ويقول إن كل ما يطمح إليه هو فرصة واحدة للمغادرة كي يستكمل العمليات التي يحتاجها بصورة عاجلة، مؤكدا أن آلامه تزداد يوما بعد يوم، وأن العلاجات المؤقتة لم تعد مجدية.

ويضيف أن المئات من الجرحى يعيشون الظروف نفسها، يتشاركون الألم نفسه، وينتظرون البوابة نفسها التي لا تفتح.

ويشير إلى أن الانتظار الطويل لم يعد مسألة نفسية فقط، بل تهديدا مباشرا لحياته، إذ حذره الأطباء من حدوث مضاعفات خطيرة إذا لم يجرِ عمليات الترميم المطلوبة في الوقت المناسب، "كل يوم يمر عليّ هو احتمال جديد للموت" يقولها بصوت منهك.

انهيار شامل

بدوره، قال المدير العام لوزارة الصحة في غزة، منير البرش، إن القطاع الصحي يعيش حالة انهيار شامل، وأن الكارثة تتفاقم كل يوم، فالعجز في الأدوية الأساسية وصل إلى 84%، بينما بلغت نسبة النقص في أدوية الطوارئ 40% لأول مرة في تاريخ الوزارة.

أما المستلزمات الطبية التشغيلية فتعاني نقصا بنسبة 71%، بحيث لم يعد الشاش متوفرا، وأصبحت المحاليل تكفي لشهر واحد فقط، في وقت توقفت فيه المختبرات بسبب نفاد الوقود وانقطاع الاتصالات.

ووفق البرش، لا تتلقى الوزارة سوى شاحنتين طبيتين أسبوعيا، وهي كمية "لا تساوي شيئا" أمام حجم الطلب المتزايد.

كما اختفت 90% من مستلزمات جراحة العظام، وتوقف علاج مرضى السرطان بنسبة 71%، مما أجبر آلاف الجرحى على طلب تحويلات للعلاج خارج غزة.

وفي ظل هذه الظروف، سجلت المراكز الصحية إصابة 82% من الأطفال دون عام بفقر الدم، فيما ينتظر أكثر من 18 ألف مريض السفر للعلاج، بينهم سبعة آلاف جريح وخمسة آلاف طفل.

ويحذر البرش من أن الاحتلال يقدم "صورة مضللة" للعالم بإدخال بضائع استهلاكية، بينما يمنع دخول الأجهزة الطبية المنقذة للحياة، مما تسبب بوفاة 1000 مريض كانوا على قوائم التحويلات، في حين يحتاج ستة آلاف مصاب ببتر أطراف إلى رعاية وعلاج فوري غير متوفر.