كان الشاب أويس همّام من خربثا بني حارث غرب رام الله صائمًا ، حين قرر أن يخرج قليلًا إلى أطراف القرية ليتنفس الهواء قبل موعد الإفطار.
المنطقة هادئة كعادتها، تتوسط التلال المحيطة التي تطل عليها من بعيد مستوطنات تتوسع عامًا بعد عام: «موديعين عيليت» التي قامت على أجزاء من أراضي القرية، و«تلّ مون» التي تلتهم التلال الغربية، إضافة إلى البؤر العشوائية المنتشرة قرب جبل الريسان بين خربثا بني حارث ورأس كركر وكفر نعمة.
تلك البؤر، رغم صغرها، تُعد الأخطر لأنها الأكثر عنفًا وتطرفًا، ويخرج منها المستوطنون لشن الهجمات على المزارعين والبيوت والطرقات.
في ذاك العصر، لم يكن أويس يتوقع أن يُحاصر في قلب أرضه. لكنه فوجئ بجماعة من المستوطنين يخرجون من بين الأشجار كقطعان ضباع، يتقدمون نحوه بسرعة، قبل أن ينهالوا عليه بالضرب والركل.
لم يُترك له وقت للهروب أو حتى للصراخ. سقط أرضًا، وأطبقوا عليه بأحذيتهم وأدوات كانوا يحملونها. جسده كان يلتف على نفسه محاولًا الاحتماء، لكنهم لم يمنحوه فرصة.
يقول أويس وهو ما يزال عاجزًا عن فهم كيف نجا: «ضربوني وركلوني ثلاث ساعات متتالية. كانوا يجرّوني على الأحراش الشوكية، وكلما حاولت أن أصرخ كانوا يضغطون على وجهي ويواصلون الضرب».
حين عُثر عليه بعد صلاة العشاء، كان جسده المشوّه أقرب لجسد ناجٍ من هجوم حيواني: خدوش عميقة على ذراعيه وساقيه، جروح مفتوحة في ظهره وبطنه، عيونه منتفخة بالكاد يستطيع فتحهما، وملابسه ممزقة ومغطاة بالتراب والدم.
بقول والده: «لم نجد في جسده موضعًا خاليًا من أثر ضرب أو طعنة شوك». كان بين الحياة والموت، ينزف من كل مكان، فيما المستوطنون يواصلون التحرك بحرية فوق التلال التي تحيط بقريته.
يذكر أن هذا العام هو الأعنف على الفلسطينيين في الضفة الغربية. فوفق تقديرات إعلامية تستند إلى بيانات أممية، سُجل أكثر من 11 ألف اعتداء من الجيش والمستوطنين خلال النصف الأول من 2025 وحده، وهو رقم غير مسبوق في الضفة.
أما موسم قطف الزيتون لعام 2025 فقد شهد وحده 178 اعتداءً استهدفت أشجار المزارعين وأراضيهم ومنعهم من الوصول إلى الحقول القريبة من المستوطنات. وتشير تقارير تعتمد على بيانات الأمم المتحدة إلى أن 733 فلسطينيًا أصيبوا هذا العام نتيجة هجمات المستوطنين المباشرة.
في محيط خربثا بني حارث تحديدًا، تتكرر الاعتداءات بسبب وجود مستوطنات توسعية كبرى مثل «موديعين عيليت»، إضافة إلى مستوطنة «بساغوت» القريبة من رام الله، وبؤر أخرى صغيرة لكنها الأكثر تطرفًا. السيطرة على التلال هدف معلن، والهجمات على الشبان مثل أويس رسالة مستمرة بأن الأرض لم تعد آمنة وبأن القتل يقف دوما خلف الأبواب.