بين أزقة مخيم جباليا الضيقة، شمال قطاع غزة، حيث البيوت من الأسبست والإسمنت، وحيث الأطفال يلعبون رغم الدخان ورائحة البارود، وُلد الطفل زاهر ناصر شامية وعاش وكبر.
حمل اسم عمّه الشهيد زاهر، الذي استشهد في 19/4/2008 خلال حرب 2008، وكأنّ الاسم ورث أيضًا المصير؛ فبالأمس استشهد زاهر الصغير في المكان ذاته، ليلحق بعمه.
كان يعشق كرة القدم ويعرف كل حجر في المخيم. ومع كل حرب كانت تضرب جباليا، كان زاهر يكبر قبل عمره، لكنه بقي متمسكًا بالمكان الذي صار هوية أكثر منه مسكنًا.
مخيم جباليا، ذلك المكان الذي يشبه الذاكرة الفلسطينية كلها، ينهض فوق الشمال كجرح قديم لا يلتئم، وقد احتضن آلاف المهجّرين من القرى المدمّرة، ومن بينها بلدة حمامة التي تنتمي إليها عائلة زاهر.
ومنذ إعلان الهدنة الأخيرة، صار اسم المخيم يرتبط بـ "الخط الأصفر"؛ ذلك الشريط الذي فرضه الاحتلال ليفصل الناس عن بيوتهم ويجعل كل حركة في المنطقة مغامرة مع الموت. كان الخط يعني ببساطة: هنا منطقة قتلٍ مفتوحة، ومن يقترب يُستهدف فورًا.
وهكذا تحولت جباليا إلى منطقة أشباح، خصوصًا بعد شقّ "الخط الأصفر" بمدرعات الاحتلال.
لكن زاهر لم يجتز ذلك الخط، بل عاد إلى بيته؛ حقّه في الحياة، وظلّ فيه، يزور عائلته بين وقت وآخر، كأنه يرفض أن يسمح للخوف أن يسرق منه المخيم كما سُرقت منهم قراهم القديمة قبل 76 عامًا.
يصفه خاله بأنه كان طفلًا محبوبًا، خدومًا، وذا قلب كبير، ومسؤولًا رغم صغر سنه.
يقول:
"أحبه لأنه ابن أختي، ولأنه كان جدعًا ويسمع النصيحة. آخر مرة شفته فيها في جباليا، قلت له نصيحة دينية: يا خال، إياك تفكّر إن ربنا مش شايفك—ربنا شايفك. لا تخاف من أحد، خاف من ربنا فقط. أنت قريب من الموت، فلا تترك صلاتك."
هزّ زاهر رأسه بابتسامته الهادئة وقال: "صح كلامك يا خال."
ولم يكن أحد يدري أن هذه الكلمات ستكون آخر ما يسمعه منه.
بالأمس، قُتل زاهر بدمٍ بارد. أعدمته قوات الاحتلال رميًا بالرصاص، ثم داسته دبابة بكل بساطة؛ حيث يتحول كل طفل إلى هدف، وكل خطوة إلى مخاطرة قاتلة.
يرفع خاله يديه إلى السماء ويقول:
"الحمد لله، نسأل الله أن يرحمه ويتقبّله شهيدًا عنده."
وهكذا رحل زاهر… طفلٌ حمل اسم الشهيد، وبات هو نفسه قصة جديدة تضاف إلى سجل المخيم الذي لا يعرف إلا الفقد.