في صباحٍ رماديّ من شتاء غزة، يقف محمود النجار أمام دفترٍ ممزق الأطراف، يمرر أصابعه على الورق كما لو كان يلمس وجوهًا غائبة. ليس هذا دفتر حسابات، ولا مخططًا هندسيًا، بل مساحة نجاة. منذ تلك الليلة التي ابتلعت فيها السماء بيته، صار للوقت معنى مختلف؛ لم يعد يُقاس بالساعات، بل بما يمكن إنقاذه من الداخل.
قبل عامٍ تقريبًا، كان محمود أبًا لأسرة صغيرة، يزن وريناد ومحمد وعمر، وكانت زوجته ترتب أحلام الغد كما ترتب الطعام على موقدٍ متواضع. في لحظة واحدة، انطفأت العائلة، بعد أن استهدفت بيته طاىرات الاحتلال وفقدهم جميعا، ثم بقي هو شاهدًا على الفراغ. لم يبحث عن كلمات عزاء، ولم يجدها أصلًا. وجد شيئًا آخر: سؤالًا حارقًا—كيف يمكن للحياة أن تستمر دون أن تنكر ما حدث؟
لم يعد محمود إلى المكان إلا مرات قليلة. الركام هناك لا يزال يتنفس، وكأن البيوت ترفض أن تُغلق حكاياتها. بعض الجثامين لم تخرج، وبعض الأسماء ما زالت معلقة بين الأرض والسماء. يقول إن المكان لم يعد بيتًا، بل درسًا قاسيًا في معنى الفقد. ومع ذلك، لم يسمح للحطام أن يصبح نهاية.
في الخيمة، ثم في المدرسة، ثم في أي زاوية آمنة مؤقتًا، بدأ محمود يكتب. لم يكن يكتب عن الموت، بل عن ما بعده. عن إدارة الأزمات حين تكون الأزمة هي الحياة نفسها. عن التخطيط حين لا يتبقى شيء يُخطَّط له. البحث العلمي، بالنسبة له، لم يكن رفاهية، بل طريقة للتنفس دون اختناق.
شيئًا فشيئًا، تحولت الأوراق إلى كتب، والأفكار إلى مشاريع. لم يتحدث محمود عن “إعمار” بالمعنى التقليدي، بل عن إعادة تفكيركاملة .
لا ينظر النجار إلى ما جرى في قطاع غزة باعتباره دمارًا يحتاج إلى إعادة إعمار فقط، بل كأزمة مركّبة تتطلب إعادة هندسة شاملة للحياة. مشروعه، الذي يعمل عليه بحثًا وتخطيطًا، يقوم على بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى تحت عنوان غير رسمي: غزة 2035.
يرتكز المشروع على فكرة أساسية مفادها أن إعادة بناء غزة يجب أن تنطلق من فهم علمي لتجربة الحرب، لا من تجاهلها. لذلك يسعى النجار إلى تحليل آثار الإبادة على البنية السكانية، والتعليم، والصحة، والإغاثة، والبنية التحتية، باعتبارها منظومة واحدة مترابطة، لا قطاعات منفصلة.
في الجانب العملي، يقترح المشروع إعادة تصميم المدن ومراكز الإيواء بحيث تكون قادرة على الصمود في حالات الطوارئ، من خلال مبانٍ متعددة الاستخدامات، وأنظمة لوجستية مرنة، ومسارات إخلاء وخدمات طوارئ مدمجة في التخطيط العمراني. كما يتضمن تصورات لإعادة تنظيم شبكات المياه والطاقة والاتصالات بما يقلل من هشاشتها أمام القصف والحصار.
ويخصص المشروع محورًا مهمًا لـ إدارة الركام والنفايات، حيث يقترح توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في فرز الأنقاض وتحليلها وإعادة استخدامها في مواد بناء بديلة، بدل تركها عبئًا بيئيًا وصحيًا. ويرى النجار في الركام موردًا محتملًا، لا شاهدًا أبديًا على الخراب.
أما في مجال الإغاثة، فيعمل المشروع على إعادة هندسة عمليات العمل الإنساني، عبر بناء قواعد بيانات ميدانية دقيقة للاحتياجات، وتطوير نماذج توزيع عادلة وشفافة، تقلل من الفوضى والهدر وتضمن وصول المساعدات للفئات الأشد تضررًا.
ويؤكد النجار أن مشروعه لا يدّعي امتلاك حلول سحرية، بل يطرح إطارًا علميًا قابلًا للتطوير، يمكن للمؤسسات المحلية والدولية البناء عليه. وهو مشروع وُلِد من رحم الفقد، لكنه يتجه نحو المستقبل، واضعًا المعرفة في مواجهة الخراب، والعلم في مواجهة الإبادة.