ناجون بلا عائلات.. وأجساد تنتظر الخروج من تحت الركام

الرسالة نت - خاص

لم يكن محمد المدهون يتخيّل أن بيته في مشروع بيت لاهيا، الذي صمد فيه طوال أشهر الحرب، سيتحوّل في لحظة إلى قبر مفتوح.

يقول المدهون لـ "الرسالة نت" إنه محمد مع عائلته في شمال القطاع رافضًا النزوح، متحدّيًا القصف والجوع والحصار، إلى أن انفجر روبوت مفخخ في المنطقة التي يسكنها، فانهارت البيوت المجاورة ودُمّر منزله بالكامل. 
خرج محمد وأفراد من عائلته من تحت الأنقاض مصابين، بينما بقي شقيقه وعائلته حتى اللحظة مدفونين تحت الركام، دون أن تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليهم.

بعد تلك الليلة، اضطر محمد للنزوح إلى منطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة، حاملاً إصاباته وذاكرة ثقيلة لا تفارقه، يروي كيف خرجوا من بيت لاهيا وسط الجوع والخوف، فيما كانت الدبابات تحاصرهم من كل اتجاه، والطائرات المسيّرة من نوع "كواد كابتر" تقتحم المكان مرارًا وتطلق الرصاص باتجاههم داخل المنازل. يقول محمد إنهم مع اشتداد الحصار وانعدام الغذاء تحوّلوا إلى "هياكل عظمية"، وإن الموت لم يكن يأتيهم فقط بالقصف، بل بالجوع والرعب المتواصل.

قصة محمد واحدة من آلاف القصص التي ما زالت عالقة بين الحياة والموت، كحال سهى عزّام، وهي سيدة من شمال القطاع، نجت بأعجوبة بعدما قُصف منزل عائلتها فوق رؤوس ساكنيه.

 خرجت سهى وفي الـ 34 من عمرها من تحت الأنقاض، لكن عائلتها بقيت مدفونة، فيما فقدت هي قدميها جراء القصف. تحكي سهى عن نجاتها التي لا تشبه النجاة، إذ تحوّل جسدها إلى شاهد دائم على الفقد، فيما لا تزال تنتظر انتشال جثامين أهلها لوداعهم ودفنهم بكرامة.
هذه القصص الإنسانية الثقيلة تلتقي اليوم مع محاولات متأخرة لانتشال الشهداء من تحت الأنقاض، في ظل إمكانات شبه معدومة. وفي هذا السياق، أعلن الرائد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، أن فرق الإنقاذ بدأت بالفعل عمليات البحث عن جثامين الشهداء تحت أنقاض المنازل التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي في مدينة غزة، مؤكدًا أن هذه العمليات تجري في ظروف شديدة الصعوبة وبإمكانات محدودة للغاية.

وأوضح بصل أن هذه الجهود تُنفّذ بمشاركة الهيئة العربية لإعادة إعمار غزة، إلى جانب الوزارات المختصة في القطاع، في محاولة لتوحيد الجهود الإنسانية رغم ضعف الموارد. وبيّن أن أولى عمليات البحث بدأت من منزل عائلة أبو رمضان في مدينة غزة، وهو منزل دُمّر في بداية الحرب جراء قصف إسرائيلي مباشر، وكان بداخله 96 شخصًا، بينهم 30 طفلًا و10 نساء و7 من كبار السن، استشهدوا جميعًا ودفنوا تحت الأنقاض.

وشدّد المتحدث باسم الدفاع المدني على أن فرق الإنقاذ لا تمتلك أي معدات إنقاذ ثقيلة، بعد أن دمّر الاحتلال معظم قدراتها خلال الحرب، ما يضطرها للاعتماد على أدوات يدوية وبسيطة لا تفي بالغرض. وأكد الحاجة الماسة لتوفير نحو 40 معدة ثقيلة، من بينها حفارات وبواقر، لبدء عمليات انتشال حقيقية وجدية للجثامين، وتمكين ذوي الشهداء من دفن أحبائهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية ووفق التعاليم الدينية.

وانتقد بصل بشدة ازدواجية المعايير الدولية، داعيًا الجهات الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى ممارسة ضغط فعلي لإدخال المعدات الثقيلة إلى قطاع غزة، أسوة بالمعدات الحديثة التي يُسمح بإدخالها للبحث عن جثامين الأسرى الإسرائيليين. واعتبر أن منع هذه المعدات عن غزة يشكّل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي يضمن احترام جثامين الموتى وحق عائلاتهم في معرفة مصيرهم.

كما وجّه بصل نداءً عاجلًا إلى المنظمات الدولية والمؤسسات الإنسانية للمشاركة الفاعلة في تنفيذ مشاريع ميدانية تساهم في انتشال جثامين الشهداء وتوثيق مواقع الاستهداف، مطالبًا أهالي الضحايا بالتعاون مع فرق البحث من خلال تقديم ما يثبت هويات الشهداء والمساعدة في التعرف عليهم، رغم الألم وقسوة المشهد.

وتعكس هذه المعاناة الفردية والجماعية حجم الكارثة التي خلّفتها الحرب على قطاع غزة. فبحسب الإحصائيات، دُمّر أو تضرّر نحو 77% من منازل القطاع، أي ما يعادل 436 ألف منزل، ما خلّف أكثر من 50 مليون طن من الركام. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن رفع هذا الركام واستخراج الرفات من تحته قد يستغرق ما بين 15 و20 عامًا، في ظل الظروف الحالية.

وبينما ينتظر محمد المدهون وسهى عزّام وآلاف غيرهما لحظة انتشال أحبّتهم من تحت الركام في غزة، فلا يزال الموت حاضرًا حتى بعد توقف القصف، مختبئًا تحت الأنقاض، بانتظار من يزيح الركام ويمنح الضحايا حقهم الأخير في الوداع.