لا تكمن معضلة قطاع غزة في اليوم التالي للحرب في حجم الدمار المادي الهائل فحسب، بل في التحدي الأكبر المتمثل في إعادة بناء الشرعية السياسية والفاعلية المؤسسية ، إن صياغة نموذج حوكمة للقطاع اليوم ليست مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة وجودية تتطلب تجاوز إدارة الحرائق إلى بناء إطار استراتيجي يزاوج بين استحقاقات القانون الدولي وأحدث نظريات الحوكمة الحديثة.
السيادة :ركيزة لا تقبل التفاوض
إن أي ترتيبات إدارية قادمة يجب أن تنطلق من مبدأ حق تقرير المصير؛ فوفقاً لميثاق الأمم المتحدة والرأي الاستشاري الأحدث لمحكمة العدل الدولية، فإن فرض أي إدارة خارجية دون تفويض وطني فلسطيني يعد انتهاكاً صارخاً للسيادة .وهنا يبرز قرار مجلس الأمن 2735 كمرجعية قانونية تدعو لوحدة الأراضي الفلسطينية تحت قيادة السلطة الفلسطينية، مما يقطع الطريق على أي محاولات لسلخ غزة عن محيطها الوطني.
فخ "التكنوقراط" ومخاطر "الاتكالية الأمنية"
تطرح الأروقة الدولية خيار "حكومة التكنوقراط" كحل لتجاوز تجزئة السلطة منذ عام 2007 ورغم ما توفره هذه الحكومة من حياد إجرائي يسهل التعامل مع المانحين، إلا أن خطرها يكمن في افتقارها للقاعدة الشعبية؛ فالحوكمة في بيئات الصراع ليست مجرد إدارة تقنية بل هي استجابة لتطلعات وطنية.
وبالمثل، فإن استحضار قوات استقرار دولية دون قبول محلي وتفويض واضح قد يحولها من ضامن للسلام إلى أداة لإدارة الصراع، مما يضعف بناء الأجهزة الأمنية الوطنية ويعزز حالة الاتكالية الأمنية التي لا تخدم استدامة الاستقرار.
السيادة الرقمية في خدمة الإعمار
في ظل فقدان الثقة المؤسسية، يبرز التحول الرقمي كضرورة حوكمية لا خيار تقني .إن استخدام تقنيات مثل (Blockchain) في تتبع تدفقات أموال الإعمار يحل معضلة الرقابة الدولية دون المساس بالسيادة ،هذه السيادة الرقمية تضمن للفلسطينيين السيطرة على بياناتهم ومواردهم المعلوماتية، وتخلق نموذجاً للشفافية ينهي البيروقراطية ويعزز كفاءة التعافي.
الاقتصاد الرقمي والسيادة على الموارد
لا يمكن فصل الاستقرار الإداري عن الاستقلال الاقتصادي ،إن اليوم التالي يجب أن يتضمن رؤية واضحة لإدارة الموارد الطبيعية، وعلى رأسها حقل غاز غزة مارين وتطوير الاقتصاد الأزرق ،إن تحويل غزة من اقتصاد المنح إلى اقتصاد الإنتاج يقلل من مخاطر الابتزاز السياسي للمانحين، ويوفر الوقود الحقيقي لمرونة المجتمع (Community Resilience)
الحوكمة الهجينة هي الحل
إن النموذج الأمثل لغزة يكمن في الحوكمة الهجينة المرنة؛ نموذج يجمع بين الشرعية الوطنية عبر منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والكفاءة التقنية عبر التكنوقراط والتحول الرقمي والضمانات الدولية.
إن بناء إدارة غزة ليس مجرد مسألة فنية لاختيار أسماء، بل هو استحقاق وطني وقانوني لإنهاء التجزئة وتحويل غزة من منطقة أزمات دائمة إلى نموذج عالمي للصمود والتنمية المستدامة.
مقال: حوكمة غزة في اليوم التالي : إطار استراتيجي بين الشرعية الدولية ونظريات الحوكمة الهجينة
د. إبراهيم الهباش ،، باحث ومختص في إدارة الأزمات والكوارث