في الضفة... الفلسطينيون يراقبون ضياع أراضيهم باسم القانون (الإسرائيلي)

الرسالة نت

لم يعد الحديث عن “خطر الضم” في الضفة الغربية، وتحديدًا في المنطقة المصنفة (ج)، توصيفًا دقيقًا لما يجري على الأرض.

فبالنسبة لأصحاب الأراضي الفلسطينيين، ما يحدث اليوم هو ضمٌّ فعلي بدأ منذ سنوات ويتقدم بخطوات ثابتة، متخذًا هذه المرة شكلًا إداريًا وقانونيًا يُفرغ الأرض من أصحابها الأصليين، ويعيد تعريف الملكية بما يخدم المشروع الاستيطاني (الإسرائيلي).

في بلدة الطيبة شرق رام الله، حيث تقع غالبية الأراضي ضمن المنطقة (ج)، يروي أحد مالكي الأراضي كيف باتت الأرض، التي حملت أسماءها الأغاني الشعبية، وحضرت في الذاكرة الجمعية والتقاليد، مهددة بالضياع. “هذه ليست مجرد قطع أرض”، يقول، “هي تاريخنا، مصدر رزق عائلاتنا، وامتداد وجودنا هنا عبر أجيال”.

لكن هذا الوجود يُنكر اليوم، ليس بالقوة العسكرية، بل عبر منظومة قوانين وإجراءات تُعيد تسجيل الأرض وتُفرغها من أصحابها الفلسطينيين.

يعتمد الاحتلال (الإسرائيلي)، في سياساته الجديدة، على إبطال أو تجاهل وثائق الملكية الفلسطينية التاريخية، أو اشتراط إعادة المصادقة عليها ضمن منظومة قانونية (إسرائيلية) لا تعترف بالفلسطينيين كذوات قانونية متساوية. 

وبهذا، يفقد كثيرون أراضيهم دون مسار قانوني عادل، تحت غطاء “إجراءات تنظيمية” تبدو شكلية، لكنها في جوهرها أداة إقصاء اقتصادي واجتماعي، وربما تمهيدًا لتهجير صامت.

العائلات الفلسطينية تمسكت بأراضيها لعقود، رغم القيود والملاحقات، على أمل حماية حقوقها، لكن الشعور السائد اليوم هو أن كل تلك الآمال تتبدد.

“نشعر أننا سنفقد أراضينا بينما يشاهد العالم بأسره”، تعبير يلخص العزلة الفلسطينية في مواجهة منظومة استعمارية متكاملة.

وقد شهد عام 2025 تسارعًا ملحوظًا في التوسع الاستيطاني (الإسرائيلي) في الضفة الغربية، خاصة في المنطقة (ج)، حيث تُنفذ الحكومة سلسلة من المشاريع التي تثبت استمرار سياسة الاستيلاء على الأرض الفلسطينية.

في ديسمبر وحده، أقرّ المجلس الأمني (الإسرائيلي) إنشاء 19 مستوطنة جديدة، بالإضافة إلى بدء بناء مستوطنة قرب بيت ساحور القريبة من بيت لحم، ما يهدد التوازن الديمغرافي ويضغط على المجتمع الفلسطيني المحلي، بما في ذلك الأقليات المسيحية.

كما أُعلنت مناقصات لبناء 356 وحدة سكنية جديدة شمال شرق القدس، ضمن مشروع توسيع المستوطنات القائمة، في حين استمر دعم المخطط الاستيطاني “E1” لبناء آلاف الوحدات شرق القدس، بهدف عزل الضفة الغربية وربط المستوطنات بالقدس.

هذه المشاريع جزء من سياسة منهجية تشمل تسهيلات حكومية، دعماً مالياً ضخماً، وتغييرات إدارية وقانونية تسمح بتحويل الأراضي الفلسطينية إلى ملكية (إسرائيلية) أو مستوطنات جديدة. كما تدعم الحكومة البؤر الاستيطانية الزراعية غير القانونية، وتخصص موارد للبنية التحتية وربط الطرق بين المستوطنات.

كل هذه الخطوات تثبت أن التوسع الاستيطاني ليس عرضيًا، بل هو استراتيجية متكاملة لتثبيت السيطرة على الأرض وتقويض الحقوق الفلسطينية في ملكية الأرض والتنقل، بما يجعل أي حل سياسي مستقبلي أكثر تعقيدًا.

في هذا السياق، تصبح المعركة على الأرض معركة على الرواية أيضًا. فبينما تتسع رقعة التضامن العالمي مع فلسطين، تتصاعد محاولات تشويه هذا التضامن، وقمع الأصوات المستقلة، وفرض رقابة على السرد الفلسطيني.

في المنطقة (ج)، ليست المشكلة أرضًا فقط، بل خطة مدروسة نحو محو الذاكرة، وتفكيك العلاقة العضوية بين الإنسان والمكان.

ومع كل إجراء جديد، يتأكد أن ما يسمى “إدارة مدنية” ليس سوى وجه آخر لضمٍّ جارٍ… صامت، لكنه فعّال.