صادق الكنيست الإسرائيلي، اليوم الاثنين، بشكل نهائي، على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في خطوة تصعيدية جديدة تدخل حيّز التنفيذ فورًا، ضمن مسار متدرّج يستهدف إنهاء عمل الوكالة في الأراضي الفلسطينية.
وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الكنيست صادق على مشروع القانون في القراءتين الثانية والثالثة، بأغلبية 59 نائبًا من أصل 120، مقابل 7 نواب عارضوا القرار، ليصبح قانونًا نافذًا وفق النظام التشريعي الإسرائيلي الذي يتطلب إقرار القوانين بثلاث قراءات.
وكان الكنيست قد أقر مشروع القانون مبدئيًا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قبل إحالته إلى لجنة الخارجية والأمن، التي أعدّته للتصويت النهائي، في وقت تتصاعد فيه الهجمة السياسية والإعلامية الإسرائيلية على الأونروا.
وخلال جلسة التصويت، حاول وزير الطاقة والبنية التحتية للاحتلال الإسرائيلي إيلي كوهين تبرير القرار، مدعيًا أن الأونروا تشكل "ذراعًا تنفيذية لحركة حماس"، وهو ادعاء كررته الحكومة الإسرائيلية مرارًا دون تقديم أدلة قانونية مثبتة. وأضاف كوهين أن "منظمة تعمل كبيئة للتحريض والقتل لا يحق لها الاستمرار"، على حد زعمه، كما شن هجومًا لاذعًا على أعضاء الكنيست من الأحزاب العربية الذين عارضوا القانون، واصفًا إياهم بـ"الطابور الخامس"، ومشككًا في شرعيتهم السياسية.
ويأتي هذا القرار امتدادًا لسلسلة إجراءات اتخذتها إسرائيل ضد الأونروا، كان أبرزها إقرار الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول 2024 قانونًا يحظر نشاط الوكالة داخل إسرائيل، بزعم مشاركة عدد من موظفيها في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقد نفت الأونروا هذه الاتهامات مرارًا، مؤكدة التزامها الحياد، فيما شددت الأمم المتحدة على عدم ثبوت أي اتهامات مؤسسية بحق الوكالة.
لماذا يستهدف الاحتلال الأونروا؟
يرى مراقبون أن استهداف الأونروا لا ينفصل عن محاولة إسرائيل ضرب جوهر قضية اللاجئين الفلسطينيين، إذ تمثل الوكالة شاهدًا دوليًا على نكبة عام 1948، وتجسيدًا قانونيًا لحق اللاجئين في العودة، وفق قرارات الأمم المتحدة، لا سيما القرار 194.
كما أن الأونروا تشكل، في نظر الاحتلال، عائقًا أمام محاولات إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني أو شطب هذا الملف من أي تسوية سياسية مستقبلية. لذلك تتعمد إسرائيل محاصرة الوكالة ماليًا وإداريًا وخدماتيًا، وصولًا إلى شيطنتها أمنيًا، تمهيدًا لإنهاء دورها بالكامل.
ويُعد قطع الكهرباء والمياه عن مكاتب الأونروا أداة ضغط خطيرة، لا تستهدف الوكالة إداريًا فحسب، بل تنعكس مباشرة على مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين يعتمدون على خدماتها الصحية والتعليمية والإغاثية.
توقيت القرار: عقاب جماعي في ذروة الحاجة الإنسانية
يأتي هذا التصعيد في وقت تتعاظم فيه حاجة الفلسطينيين إلى خدمات الأونروا، بعد عامين من حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة بدعم أمريكي منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لا يزال الواقع الإنساني في غزة كارثيًا، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على دخول المساعدات، في انتهاك واضح للبروتوكول الإنساني المرافق للاتفاق.
وتقدّم الأونروا خدماتها لأكثر من 110 آلاف لاجئ فلسطيني في القدس المحتلة، وتشرف على مخيمي شعفاط وقلنديا، إضافة إلى إدارتها لعيادات صحية ومدارس في القدس وصور باهر، ما يجعل أي مساس بعملها تهديدًا مباشرًا للحد الأدنى من مقومات الحياة.
خرق للقانون الدولي
يمثل قرار الكنيست خرقًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة، وللقانون الدولي الإنساني، ويتناقض مع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى رأسها القرار 302 الصادر عام 1949، الذي أنشأ الأونروا استجابة لأزمة اللاجئين الفلسطينيين، باعتبارها التزامًا دوليًا قائمًا إلى حين حل قضيتهم وفق القرار 194.
وفي المحصلة، لا يمكن فصل ملاحقة الاحتلال للأونروا عن سياسة أوسع تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين، وفرض وقائع سياسية بالقوة، عبر استهداف الشهود الدوليين على الجريمة الأصلية، وتحويل العمل الإنساني إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة.