ذهب غزة الأحمر تحت الركام ..غزة بلا فراولة للعام الثالث

الرسالة نت - خاص

لم تسلم زراعة الفراولة، التي شكّلت لسنوات طويلة أحد أبرز معالم الهوية الزراعية والاقتصادية لقطاع غزة، من آلة التدمير الإسرائيلية؛ إذ قضت قوات الاحتلال بشكل شبه كامل على جميع الأراضي المزروعة بهذا المحصول، ضمن سياسة الاستهداف الممنهج للأرض والإنسان ومصادر الرزق.

وقبل الحرب، عُرفت غزة بإنتاج الفراولة عالية الجودة، التي كانت تُزرع على مساحات واسعة، لا سيما في شمال القطاع ومدينة بيت لاهيا، وتُصدَّر إلى الأسواق الخارجية، لتوفّر مصدر دخل رئيسيًا لمئات العائلات الزراعية، وتسهم في دعم الاقتصاد المحلي رغم الحصار الخانق.

لم تكن حقول الفراولة مجرد مساحات زراعية، بل قصة حياة لعائلات كاملة، ومصدر أمل موسمي ينتظره المزارعون عامًا بعد عام. إلا أن الاحتلال دمّر هذه الحقول بالكامل، وقضى على أحد أهم المحاصيل الزراعية التي اشتهر بها القطاع لعقود.

وقبل الحرب، كانت زراعة الفراولة تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 1,200 دونم، معظمها في شمال قطاع غزة وبلدة بيت لاهيا، وتنتج سنويًا أكثر من 4,000 طن، يُصدَّر جزء منها إلى الخارج، بينما يغطّي الجزء الآخر احتياجات السوق المحلي، ويوفّر مصدر دخل مباشر لأكثر من 2,000 أسرة، إضافة إلى آلاف فرص العمل الموسمية.

غير أن القصف المكثف والتجريف المتعمد للأراضي الزراعية، وتحويل المناطق الزراعية إلى مناطق عسكرية، أدّى إلى تدمير 100% من مزارع الفراولة، بما في ذلك البيوت البلاستيكية، وشبكات الري، والآبار، والمشاتل، ما تسبب بخسائر مباشرة تُقدَّر بأكثر من 15 مليون دولار.

يقول محمود سلامة، وهو مزارع مختص بزراعة الفراولة شمالي قطاع غزة، إن هذا المحصول كان يشكّل عصب الحياة الاقتصادية في بيت لاهيا، ويوفّر فرص عمل واسعة لمئات العائلات، موضحًا:
“نحو 80% من أراضي بيت لاهيا كانت مزروعة بالفراولة. المزرعة الواحدة كانت تشغّل ما لا يقل عن 15 إلى 16 عاملًا، وكل عامل يعيل أسرة كاملة”.

ويؤكد سلامة، الذي يعيل أسرة من ثمانية أفراد، أن الفراولة كانت مصدر دخله الوحيد، قبل أن يفقد منزله وأرضه وجميع معداته الزراعية، مضيفًا:
“غياب الموسم للعام الثالث على التوالي لم يكن خسارة مادية فقط، بل خسارة معنوية أيضًا؛ فقدنا موسمًا كنا ننتظره طوال العام، وفقدنا رمزًا من رموز مدينتنا”.

وتشير أحدث تقييمات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى أن القطاع الزراعي في غزة وصل إلى حافة الانهيار، بعدما تضررت نحو 87% من الأراضي الزراعية، ولم يتبقَّ سوى مساحات محدودة بالكاد تصلح للإنتاج، في ظل تدمير الدفيئات الزراعية، وتحطيم الآبار، وانهيار أنظمة الري، ما ترك الحقول والبساتين مهجورة وجافة.

وفي بيت لاهيا تحديدًا، دُمّرت نحو 95% من المنازل أو أصبحت غير صالحة للسكن، ما فاقم من معاناة السكان والمزارعين على حد سواء.

من جانبه، يصف سامر زيد، الذي كان يزرع خمسة دونمات من الفراولة شرقي بيت لاهيا، ما جرى بأنه “انهيار كامل لمسار حياة استمر سنوات”، موضحًا أن الحرب حرمته من زراعة موسمين متتاليين، بعد قصف منزله وتجريف أرضه بكل ما فيها من دفيئات وشتول وأسمدة، ما اضطره للنزوح وفقدان مصدر رزقه الوحيد.

ويشير زيد إلى أن نجاح زراعة الفراولة يعتمد على الأرض الخصبة والمياه العذبة المتوفرة في شمال القطاع، لكن النزوح القسري والحصار المشدد وإغلاق المعابر منذ سنوات، جعل الاستمرار في الزراعة أمرًا شبه مستحيل.

بدوره، أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة، محمد أبو عودة، أن محصول الفراولة تعرّض لتدمير كامل بنسبة 100%، بخسائر اقتصادية تُقدَّر بنحو مليار دولار في الإنتاج فقط، دون احتساب الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية.

وأوضح أبو عودة أن الاحتلال تعمّد تنفيذ جريمة حرب بحق القطاع الزراعي، لا سيما بحق “ذهب غزة الأحمر”، عبر التجريف والقلع والحرق، وتدمير الجمعيات الزراعية، وثلاجات التخزين، والمشاتل، إضافة إلى تدمير الآبار وضخ مياه البحر فيها، ما أدى إلى نزوح المزارعين وفقدان نحو 40 ألف شخص يعملون في الزراعة مصادر رزقهم.

وأشار إلى أن زراعة الفراولة في غزة بدأت في ستينيات القرن الماضي، وتوسّعت لاحقًا لتصل المساحة المزروعة إلى 4,000 دونم بإنتاج سنوي قارب 11 ألف طن، فيما بلغت كميات التصدير نحو 5,500 طن سنويًا، قبل أن يُقضى عليها بالكامل خلال الحرب.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير