الضفة الغربية تحت التهويد.. سياسات إسرائيلية تُحوّل الحياة إلى معركة بقاء

الرسالة نت

 

تشهد الضفة الغربية المحتلة في الآونة الأخيرة تدهورا خطيرا وغير مسبوق في مختلف مناحي الحياة، نتيجة تصاعد السياسات الإسرائيلية التهويدية التي تستهدف الأرض والإنسان والموارد، في إطار مشروع استعماري طويل الأمد يهدف إلى فرض السيطرة الدائمة وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

ولم تعد هذه السياسات تقتصر على إجراءات أمنية مؤقتة، بل تحولت إلى منظومة متكاملة من القوانين والممارسات التمييزية التي تعيد تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي والسياسي للضفة الغربية، بما في ذلك القدس المحتلة، على حساب الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

تدهور حاد
وفي هذا السياق، حذّر تقرير حديث صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن إسرائيل تنتهك التزاماتها بموجب القانون الدولي، ولا سيما الاتفاقيات التي تحظر الفصل العنصري.

وأكد التقرير أن التمييز المنهجي ضد الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة يشكل مصدر قلق طويل الأمد، وأن هذا الوضع شهد تدهورا حادا منذ ديسمبر 2022، وتفاقم بشكل كبير منذ السابع من أكتوبر 2023.

ووفق التقرير، فإن سلطات الاحتلال تطبق منظومتين قانونيتين منفصلتين على المستوطنين والفلسطينيين، ما يؤدي إلى معاملة غير متكافئة في قضايا جوهرية مثل حرية الحركة، والوصول إلى الأرض والمياه، والحق في السكن والعمل.

وتكشف المعطيات الواردة في التقرير الأممي، إلى جانب تقارير إسرائيلية ودولية أخرى، عن نمط ممنهج من السياسات التي تشمل التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل وفرض قيود خانقة على الحركة وتصاعد عنف المستوطنين في ظل إفلات شبه كامل من العقاب.

كما توثق هذه التقارير استخدام القوة المميتة بشكل غير مشروع والاحتجاز التعسفي وتطبيق منظومة قضائية عسكرية تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير العدالة بحق الفلسطينيين.

وضمن هذا المشهد القاتم، تتحول الضفة الغربية إلى فضاء مُجزأ ومُخنق تُدار فيه الحياة اليومية للفلسطينيين بمنطق السيطرة والإخضاع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولقيم العدالة وحقوق الإنسان.

تصاعد الانتهاكات

ويبين تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن واحدة من أخطر مظاهر التدهور في الضفة الغربية تتمثل في الاستخدام المتزايد وغير المشروع للقوة المميتة من جيش الاحتلال، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين.

ويوثق التقرير اتجاهات مقلقة تتعلق بعمليات قتل خارج إطار القانون، واستخدام القوة بشكل متعمد عندما لا تكون هناك ضرورة عسكرية، وبطريقة تمييزية تستهدف الفلسطينيين على نحو خاص.

وتعد القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين أحد أبرز أدوات السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، حيث تؤثر بشكل مباشر على الحق في العمل والتعليم والصحة والحياة الأسرية. ويوضح التقرير أن إنشاء شبكة طرق مخصصة حصريا للمستوطنين، تربط المستوطنات ببعضها البعض، أدى إلى عزل التجمعات الفلسطينية عن محيطها وتحويل القرى والمدن إلى جيوب معزولة تعاني من صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

كما وثّق التقرير عمليات إخلاء واسعة لآلاف الفلسطينيين من منازلهم في مناطق مختلفة من الضفة، في سياق قد يرقى إلى النقل القسري غير القانوني للسكان، وهو ما يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
الاستيطان والضم الزاحف

ويشكل التوسع الاستيطاني أحد أخطر مظاهر السياسات التهويدية، إذ تواصل السلطات الإسرائيلية والمستوطنون الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية لبناء مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة، في انتهاك واضح للقانون الدولي.

وأشار التقرير الأممي إلى موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على بناء 19 مستوطنة جديدة، في خطوة قال مسؤولون إسرائيليون صراحة إنها تهدف إلى عرقلة إقامة دولة فلسطينية.

وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية عن سعي قادة المستوطنات، بدعم مباشر من وزراء في الحكومة الإسرائيلية، إلى تنفيذ رؤية تستهدف جلب آلاف العائلات إلى مناطق جديدة في الضفة الغربية بحلول عام 2026، بما يفضي عمليا إلى تقويض فكرة الدولة الفلسطينية وجعل مسألة السيادة الفلسطينية "غير ذات صلة".

ولا تقتصر السياسات التهويدية على الأرض فحسب، بل تمتد إلى السيطرة على الموارد الطبيعية وعلى رأسها المياه. 

ويوضح التقرير أن إسرائيل تستولي بشكل غير قانوني على البنية التحتية المائية الفلسطينية وتحول المياه إلى مستوطناتها ما يضطر السلطة الفلسطينية إلى شراء كميات كبيرة من المياه من شركة إسرائيلية تستخرجها من الضفة الغربية المحتلة نفسها.

ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم الأعباء الاقتصادية على الفلسطينيين ويقوض فرص التنمية ويعمّق حالة الفقر والبطالة في ظل بيئة اقتصادية خانقة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.

من جهته، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل "خنقا منهجيا" لحقوق الفلسطينيين، مشيرا إلى أن كل جانب من جوانب حياتهم يخضع لسيطرة إسرائيل ويقيّد بقوانينها وسياساتها التمييزية.

ووصف تورك هذا الواقع بأنه شكل شديد القسوة من الفصل العنصري، مشددا على أن كل اتجاه سلبي موثق لم يستمر فحسب، بل تسارع بوتيرة مقلقة.

ودعا تورك السلطات الإسرائيلية إلى إلغاء جميع القوانين والسياسات التي تكرس التمييز المنهجي، وإنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك تفكيك المستوطنات، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير