نساء غزة في حرب الإبادة ..صمود تحت النار وأرقام تُعرّي المأساة

الرسالة نت - خاص

تسير ياسمين مقداد رغم الألم. كامرأة فلسطينية غزية أُصيبت في حرب الإبادة، استقرّ الجرح في رقبتها، لكن الحرب لم تتوقف عند حدود الإصابة. 
داخل خيمتها، تؤدي ياسمين أعمالًا يومية شاقة؛ تقوم، تجلس، تنحني، وتتألم في كل حركة. لا خيار أمامها سوى الاستمرار، فهذه الأعمال التي أنهكت جسدها فُرضت على نساء غزة بعد الإبادة والتهجير، حين تحوّلت الخيمة إلى بيت، والعمل القاسي إلى ضرورة للبقاء.

أما فداء عابد، فقد أُصيبت جراء قصف استهدف بيت جيرانهم. تحتاج إلى تركيب مفصل في ركبتها، لكنها لا تملك علاجًا ولا قدرة على الوقوف. داخل الخيمة، تزحف على الأرض لتكنس، وتطبخ، وتخدم أطفالها وعائلتها. تتحرك على ركبتيها المنهكتين لأن الوقوف لم يعد ممكنًا، ولأن الحياة في غزة لا تنتظر شفاء الجرحى. فداء تحمل جسدًا مكسورًا، وأمومة ثقيلة، وشقاءً يوميًا بلا نهاية.

في غزة، لا تُختصر الحرب في أصوات القصف وحدها، بل في أجساد النساء اللواتي يحملن العبء الأثقل بصمت. منذ بدء حرب الإبادة، أصبحت المرأة الغزية في قلب الاستهداف المباشر وغير المباشر، تعيش الموت والجوع والفقد في آنٍ واحد، وتحاول رغم ذلك أن تُبقي الحياة ممكنة لأطفالها.

قصتا ياسمين وفداء  صورة مكثفة عن واقع آلاف النساء في قطاع غزة. منذ بدء حرب الإبادة، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى استشهاد أكثر من 28 ألف امرأة وفتاة، بمعدل امرأة تُقتل كل ساعة. كثيرات قُتلن داخل منازلهن، أو أثناء النزوح، أو وهنّ يحاولن حماية أطفالهن. وخلف كل رقم، امرأة كانت تشبه ياسمين أو فداء، تحمل حياة كاملة قبل أن تُسحق.

من نَجَون من القتل، يواجهن الجوع. تعاني قرابة 790 ألف امرأة وفتاة من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فيما تواجه آلاف النساء خطر المجاعة. في الخيام، تتنازل الأمهات عن حصصهن القليلة لإطعام أطفالهن، بينما ينهك الجوع أجساد المصابات والمريضات، ويضاعف آلام الجروح غير المعالجة.

النساء الحوامل يعشن خطرًا مضاعفًا. يوجد في غزة عشرات آلاف النساء الحوامل دون رعاية طبية حقيقية، في ظل خروج أكثر من 70% من المرافق الصحية عن الخدمة ونفاد الأدوية والمستلزمات الأساسية. تلد نساء كثيرات داخل خيام أو بيوت مدمرة، بلا تخدير أو تعقيم، في ظروف تهدد حياة الأم والطفل معًا.

ومع نزوح أكثر من 1.9 مليون فلسطيني، تعيش النساء في بيئة قاسية تفتقر للخصوصية والأمان، تفتقد النساء أماكن آمنة العلاج النفسي، ويُتركن وحيدات مع الخوف، والصمت، والألم.


إلى جانب ذلك، فقدت آلاف النساء أزواجهن أو أبناءهن أو معيل الأسرة الوحيد، ليصبحن المسؤولات عن إعالة عائلات كاملة في ظل بطالة شبه تامة وانعدام الموارد.

 تتحول المرأة الغزية إلى أم ومعيلة وممرضة في آنٍ واحد، حتى وإن كانت مصابة، كما حال ياسمين وفداء، اللتين لم يمنحهما الجرح حق التوقف.

ورغم كل هذا، لا تزال نساء غزة يتحركن وسط الركام. يزحفن إن لزم الأمر، ويقمن رغم الألم، ويحملن الحياة على أكتاف مثقلة. صمودهن صرخة وجود في وجه حرب تستهدف الجسد، والدور، والحياة نفسها.
ما تعيشه نساء غزة اليوم هو جريمة مستمرة، تُقاس بآلام الأجساد المصابة، وبخطوات النساء المتعبة داخل الخيام، وبقدرة أمٍّ جريحة على النهوض كل صباح… فقط لأنها لا تملك خيارًا آخر.