حين كسرت أيرلندا حياد الملاعب: الرياضة تقف مع فلسطين

الرسالة نت - متابعة

لم تعد الملاعب في أيرلندا مجرد مساحات للتنافس الرياضي، بل تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى منصات احتجاج ورسائل سياسية واضحة، في مشهد نادر أوروبيًا، تقوده مجموعة الرياضة الأيرلندية من أجل فلسطين (Irish Sport for Palestine)، التي نجحت في نقل التضامن مع الفلسطينيين من الهامش إلى قلب المشهد الرياضي.

في مدرجات ملعب كروك بارك، أحد أبرز رموز الرياضة الأيرلندية، رفعت جماهير ولافتات، وأُطلقت حملات احتجاج متزامنة مع مباريات رسمية، اعتراضًا على رعايات وشراكات تُتهم بدعم إسرائيل. لم تكن هذه التحركات عفوية، بل جاءت ضمن حملات منظمة، دعت الجماهير إلى التعبير الرمزي عن التضامن، من خلال إضاءة الهواتف المحمولة في دقائق محددة من المباريات، في مشاهد التقطتها عدسات الإعلام وفرضت نفسها على النقاش العام.

تقف خلف هذه التحركات مجموعة الرياضة الأيرلندية من أجل فلسطين، وهي شبكة تضم لاعبين سابقين، مشجعين، نشطاء، وأندية، ترى أن “حياد الرياضة” يتحول إلى تواطؤ حين تُرتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. تعتمد المجموعة أدوات ضغط متنوعة، من الاحتجاجات داخل الملاعب، إلى البيانات العلنية، وبناء التحالفات مع أندية ومنظمات حقوقية.

ويبرز نادي بوهيميان إف سي كأحد أكثر الأندية الأيرلندية انخراطًا في هذا المسار، إذ تحالف مع منظمات حقوقية للمطالبة بتعليق مشاركة الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم في بطولات الاتحاد الأوروبي (UEFA)، استنادًا إلى ما يعتبره خروقات لأنظمة الاتحاد المتعلقة بالتمييز واحترام حقوق الإنسان. هذا الموقف لم يبقَ رمزيًا، بل ساهم في دفع النقاش داخل المؤسسات الرياضية الرسمية.

وفي سابقة لافتة، صوّت الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم (FAI) لصالح دعوة UEFA إلى تعليق مشاركة إسرائيل، في خطوة عكست حجم الضغط الشعبي والرياضي المتراكم، وجعلت أيرلندا في موقع متقدم مقارنة بمعظم الاتحادات الأوروبية التي لا تزال تلتزم الصمت.

إلى جانب الضغط السياسي، لعبت الرياضة دورًا إنسانيًا مباشرًا. فقد استضافت أيرلندا جولة لملاكمين فلسطينيين شملت عدة مدن، تخللتها مباريات استعراضية وفعاليات تضامنية، خُصص ريعها لدعم مشاريع إنسانية في فلسطين، في محاولة لاستخدام الرياضة كجسر بين الشعوب. في المقابل، شكّل رفض منح تأشيرات لفرق رياضية فلسطينية للمشاركة في فعاليات بأيرلندا تذكيرًا صارخًا بالعقبات التي تواجه حتى المبادرات الرياضية البحتة.

تُعيد هذه التحركات طرح سؤال أوسع: هل يمكن للرياضة أن تبقى خارج السياسة حين تصبح الحقوق الإنسانية على المحك؟ التجربة الأيرلندية تشير إلى إجابة مختلفة، ترى في الرياضة أداة ضغط أخلاقي، ومنبرًا لمن لا صوت لهم.

في وقتٍ يختار فيه كثيرون الصمت، قررت الرياضة الأيرلندية أن تنحاز، لا إلى طرف سياسي، بل إلى مبدأ: أن العدالة لا تُعلّق عند أبواب الملاعب.