في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أقسى مراحله التاريخية تحت وطأة حرب إبادة، تتكشف قرارات اقتصادية وإدارية تضاعف من معاناة الناس وتعمق جراحهم اليومية.
وفي قلب هذه القرارات، يبرز قرار بنك فلسطين فصل نحو 400 موظف من غزة دفعة واحدة، إلى جانب عشرات آخرين خارج غزة، دون إعلان واضح للأسباب أو المعايير المعتمدة، ليطرح أسئلة ثقيلة حول المسؤولية الوطنية والمجتمعية للمؤسسات الكبرى في أوقات الكوارث.
ولم يكن القطاع المصرفي في غزة خيارا ثانويا خلال الحرب، بل شكّل شريانا أساسيا لإدارة الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وتحريك ما تبقى من الدورة الاقتصادية المنهكة.
ومع تضييق واسع طال الحسابات والمعاملات البنكية، أصبحت الخدمات المصرفية الملاذ الأخير لآلاف العائلات. ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار يمس هذا القطاع لا يُقاس بميزان إداري ضيق بل بآثاره الوجودية على المجتمع برمّته.
مسؤولية غائبة
ويأتي قرار الفصل الجماعي ليُقرأ بوصفه تخليا خطيرا عن الدور الوطني في لحظة تاريخية مفصلية، إذ لا يقتصر أثره على الموظفين المفصولين وحدهم، بل يمتد ليضرب الاستقرار الاجتماعي، ويقضي على ما تبقى من سبل العيش ويعمّق الإحساس بالخذلان لدى مجتمع يواجه الحرب والنزوح والفقدان في آنٍ واحد.
ولعل فصل مئات الموظفين في غزة خلال الحرب لا يمكن اعتباره إجراءً إداريا اعتياديا. فهذا القرار، في سياق الإبادة والنزوح الجماعي يفاقم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي ويدفع بمئات العائلات إلى حافة العوز في وقت انقطعت فيه مصادر الدخل، وتراجعت فرص العمل إلى أدنى مستوياتها.
كما أن غياب الشفافية في إعلان أسباب الفصل أو المعايير المعتمدة يفتح الباب واسعا أمام التساؤلات والشكوك، ويقوّض الثقة بمؤسسة طالما قدمت نفسها بوصفها "البنك الوطني".
وتزداد خطورة القرار مع ما رافقه من أساليب وُصفت بالمهينة، حيث تشير معلومات موثوقة إلى ممارسة ضغوط على موظفين ما زالوا على رأس عملهم في الفروع التي أعيد افتتاحها، عبر اتصالات هاتفية تطالبهم بتقديم استقالاتهم.
هذا النهج لا يمس فقط الكرامة المهنية للموظفين، بل يتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان وأخلاقيات العمل، خصوصا في أوقات الأزمات.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن سلسلة إجراءات مصرفية سابقة أسهمت في خنق الدورة الاقتصادية داخل القطاع، من تقييد الحسابات إلى تعطيل المعاملات، ما جعل السكان عاجزين عن إدارة شؤونهم اليومية.
وعليه، يبدو قرار الفصل حلقة جديدة في مسارٍ يُعمق الأثر الكارثي للحرب بدلا من التخفيف عنه.
فصل تعسفي
بدوره، يقول الموظف (ل. س)، الذي خدم في بنك فلسطين لمدة 12 عاما: "تلقيت كتاب فصلي وكأنه صاعقة. لم أكن أتوقع أن يُختصر تاريخي المهني، بكل ما حمله من التزام وجهد في اتصال بارد أو قرار مفاجئ".
وأضاف: "طوال سنوات عملي، كنت أؤمن أنني جزء من مؤسسة وطنية تقف مع موظفيها في الشدائد، لا أن تتخلى عنهم في أصعب اللحظات".
ويضيف: "الصدمة كانت مضاعفة لأن القرار جاء في ظل النزوح والحرب، أنا وعائلتي نعيش ظروفا إنسانية قاسية، وكل ما تبقى لنا هو هذا الراتب الذي نؤمّن به الحد الأدنى من الحياة، الفصل في هذا التوقيت لا يعني فقدان وظيفة فحسب، بل فقدان الأمان بالكامل".
ويتابع: "لم نتلقّ أي توضيح، ولم نُمنح حق الدفاع عن أنفسنا أو معرفة المعايير، كل ما وصلنا هو إحساس بالإهانة والتجاهل، بعد 12 عاما من الخدمة، كان أقل ما ننتظره هو الاحترام والشفافية".
ويختم قائلا: "هذا القرار لا يؤذينا كأفراد فقط، بل يبعث رسالة قاسية لكل موظف في غزة بأن سنوات العمل والولاء قد لا تعني شيئا حين تشتد الأزمة".
وفي تعقيب حقوقي، قال رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده: "بعد التضييق على آلاف العملاء وتقييد المعاملات والحسابات البنكية في قطاع غزة، في وقت كانت فيه الخدمات المصرفية تمثل الوسيلة الأخيرة لدى السكان لإدارة المعاملات اليومية البسيطة، يستكمل بنك فلسطين اليوم تخليه عن دوره ومسؤولياته المجتمعية خلال الإبادة الجماعية، من خلال فصل عدد كبير من موظفيه دفعة واحدة دون تقديم أسباب واضحة أو الإفصاح عن المعايير المعتمدة".
وأضاف عبده: "مبادئ العناية الواجبة في مجال الأعمال وحقوق الإنسان تفرض على المؤسسات المصرفية مسؤولية خاصة في أوقات الأزمات، تشمل تقييم الآثار الحقوقية لقراراتها، وضمان عدم إلحاق ضرر تعسفي بالموظفين أو تعميق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، مرة أخرى، يثبت بنك فلسطين أن أول من يتخلى عنه هو الفلسطيني".
وأمام خطورة هذا القرار وتداعياته الواسعة، تبرز الحاجة الملحة إلى توضيح رسمي وشفاف من إدارة بنك فلسطين يشرح أسباب الفصل والمعايير المعتمدة، ويضع حدا لنهج القرارات المفاجئة في زمن الكارثة.
كما أن احترام كرامة الموظفين وضمان حقوقهم وتحمل المسؤولية الوطنية ليست خيارات أخلاقية فحسب، بل واجبات لا تحتمل التأجيل في ظل ما يمر به قطاع غزة.