قائمة الموقع

من الفعل الثقافي إلى سياسة البقاء: كيف تُستهدف الثقافة الفلسطينية في القدس؟

2026-01-25T16:36:00+02:00
متابعة-الرسالة نت

في القدس، لا تُستهدف الجغرافيا وحدها، ولا يُعاد تشكيل المكان بمعزل عن الإنسان، بل تُخاض معركة مركّبة على الذاكرة والمعنى والحق في الوجود.

 هنا، لم تعد الثقافة نشاطًا رمزيًا أو ترفًا فكريًا يمكن فصله عن السياسة أو شروط العيش اليومي، بل تحوّلت إلى أحد ميادين الاشتباك الأساسية على الحضور الفلسطيني ذاته. 

فكل كتاب، وكل عرض مسرحي، وكل ورشة للأطفال، باتت فعل مقاومة صامتة في وجه سياسات استعمارية تسعى إلى تفريغ المدينة من روايتها الأصلية وإعادة تعريفها قسرًا.

بهذا المنظور، تقارب ورقة السياسات الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في 14 كانون الثاني/يناير 2026 واقع الممارسة الثقافية اليومية في القدس، باعتبارها ساحة صراع غير مباشر على الشرعية الرمزية والذاكرة الجمعية، لا سيما في المرحلة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شهدت المدينة تحوّلًا حادًا في طريقة تعامل سلطات الاحتلال مع الفعل الثقافي الفلسطيني.

تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن الثقافة في القدس لم تعد شأنًا إبداعيًا مستقلًا، بل أصبحت مسألة سياسات عامة تمسّ شروط البقاء الفردي والجماعي. فالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية تكشف هشاشة عميقة؛ إذ يعيش نحو ثلاثة أرباع الفلسطينيين في القدس تحت خط الفقر، مع نسب مرتفعة بشكل خاص بين الأطفال، ما يعني تآكلًا مبكرًا في القاعدة الاجتماعية التي يُفترض أن تشكّل جمهور الثقافة وصنّاعها في المستقبل. وفي هذا السياق، لا يقتصر أثر الفقر والتهميش على تقليص الوصول إلى الأنشطة الثقافية، بل يمتد ليصيب بنية المؤسسات الثقافية نفسها وقدرتها على الاستمرار والإنتاج.

 

المشهد الثقافي قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر

قبل هذا التاريخ، كان المشهد الثقافي الفلسطيني في القدس يقوم، في معظمه، على مبادرات فردية وفضاءات أهلية مستقلة، منخفضة التكلفة، تعمل ضمن بيئة قانونية وأمنية شديدة الاضطراب. ورغم محدودية الإمكانيات، أتاح هذا النمط حضورًا ثقافيًا يوميًا متواضعًا لكنه متواصل، تمثّل في عروض مسرحية صغيرة، وورش فنية للأطفال، وأمسيات شعرية، ومكتبات عامة تؤدي دورًا معرفيًا واجتماعيًا.

غير أن هذه الاستمرارية لم تكن نابعة من استقرار مؤسسي، بل من قدرة دائمة على التكيّف مع القيود. فقد جعلت الهشاشة البنيوية، الناتجة من تداخل القيود القانونية والأمنية والتمويل المشروط وضعف التنسيق، الفعل الثقافي قابلًا للتجميد السريع عند أي تصعيد سياسي أو أمني، ما حوّل الاستمرارية إلى حالة مؤقتة لا إلى مسار قابل للتراكم.

 

الثقافة في حدود الممكن

تتعامل الورقة مع الثقافة في القدس باعتبارها إحدى آليات تنظيم الحضور الفلسطيني في الفضاء العام. ففي مدينة تُدار بمنظومات تصنيف أمني وقانوني متداخلة، يُعاد تحديد ما يمكن ظهوره وتداوله ثقافيًا، ومن يملك حق التعبير والتمثيل، لتغدو الثقافة مجالًا خاضعًا لمعادلات السماح والمنع، لا حقًا مدنيًا أصيلًا.

وقبل الحرب على غزة، اعتمدت السياسات الإسرائيلية على منظومة ضبط مركّبة شملت تقديرًا أمنيًا متغيّرًا، واتهامات فضفاضة بـ"التحريض" أو "الارتباط السياسي"، إلى جانب تمويل مشروط يفرغ العمل الثقافي من مضامينه النقدية، ورقابة رقمية متصاعدة. ونتيجة لذلك، تشكّل مشهد ثقافي يعمل تحت منسوب عالٍ من الحذر المسبق، ويُدار باعتباره هامشًا مسموحًا به مؤقتًا.

ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر: من الضبط إلى التعطيل

شكّل ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة انعطاف حادة، إذ انتقلت السياسات الإسرائيلية من منطق الضبط إلى منطق التعطيل شبه الكامل. لم يعد المجال الثقافي يُدار كحيز قابل للتنظيم، بل جرى التعامل معه كمساحة عالية المخاطر ينبغي تجميدها. فأُوقفت نشاطات قائمة، وأُلغيت برامج مقررة، وداهمت قوات الاحتلال مؤسسات ثقافية من دون مسارات قانونية واضحة، ما أعاد تعريف الثقافة من ممارسة مدنية إلى مخاطرة أمنية بحد ذاتها.

تجلّى هذا التحول في مداهمة مسرح الحكواتي أثناء عرض مخصص للأطفال، وإيقافه بالقوة، وفي إلغاء فعاليات تعليمية وثقافية بذريعة “التحريض”. كما طال الاستهداف المكتبات، مثل المكتبة العلمية في شارع صلاح الدين ومكتبة القدس في خان الزيت، حيث صودرت كتب واعتُقل مالكوها، في تسييس مباشر للمعرفة المكتوبة.

على الرغم من هذا التضييق، لم تختفِ الممارسة الثقافية تمامًا، بل أعادت تنظيم نفسها ضمن برمجة منخفضة الظهور، محدودة الإعلان، وقابلة للإلغاء في أي لحظة. استمرت بعض الأنشطة داخل فضاءات مغلقة، كعروض سينمائية وأمسيات ثقافية ضيقة النطاق، في ظل حذر لغوي وتنظيمي واضح. غير أن هذا التكيّف ظل هشًا، إذ أُحبِطت مبادرات كثيرة قبل انطلاقها، في استهداف للبنية الحاضنة للفعل الثقافي لا للحدث وحده.

 

الثقافة كسياسة بقاء

تخلص الورقة إلى أن الثقافة في القدس ليست إجراءً ظرفيًا أو فعلًا رمزيًا، بل شكل من أشكال الحضور الممكن في مدينة تُدار بمنطق الإقصاء. وتؤكد أن التعامل مع الثقافة بوصفها مسألة سياسات عامة يُعد شرطًا أساسيًا لحماية الاستمرارية وتعزيز الصمود المجتمعي.

وتدعو الدراسة إلى إعادة تعريف الثقافة كأولوية سياساتية، من خلال الانتقال من التمويل قصير الأجل إلى دعم تشغيلي مرن، وإنشاء آليات دعم سريعة ومنخفضة البيروقراطية، وتوفير غطاء قانوني وتوثيقي للفعل الثقافي المستهدف، إلى جانب تطوير سياسات أمان رقمي متخصصة، ومواءمة الدعم الدولي مع الواقع السياسي والأمني الخاص بالقدس، باعتبار الثقافة أحد أعمدة البقاء والصمود الفلسطيني في المدينة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00