مقال: الحرص الكاذب على الزي التراثي للمرأة الفلسطينية

ة
ة

أحمد جهاد آل الشيخ

 

لم تكن الهوية البصرية للمرأة الفلسطينية محبوسةً في نمطٍ واحد، بل كانت القُنعة السوداء والشاشة البيضاء هما الرايتين اللتين خفقتا فوق رؤوس الماجدات؛ فقد كانت جدتي لأمي تتلفع بالداير والقُنعة، ذلك الزي المهيب الذي لم يكن يظهر منه سوى وميض العينين، بينما تلتزم جدتي لأبي وكذا أمي بالداير والشاشة في مشهدٍ يجسد وقار المرأة الفلسطينية.
الداير هو تنورةٌ سوداء مزمومة عند الخصر بتلافيف تمنح الجسد سترًا فضفاضًا لا يصف ولا يشف، تنسدل فوقه القُنعة أو الشاشة، وربما القنعة وتحتها الشاشة زيادة في الستر، لتكتمل صورة العفاف التي لم تكن يومًا غريبةً عن أرومة هذا المجتمع.

إن الذاكرة الجمعية لبعض أدعياء الحرص على التراث تبدو مصابةً بانتقائيةٍ مريبة؛ فهم لا يستحضرون من الهوية إلا الثوب المطرز ليناكفوا بها خصومهم، متجاهلين أن الداير والقُنعة هو الزي الرسمي والتاريخي الذي صمد في وجه الاحتلال وبدايات الهجرة. وما يُسمى اليوم بإسدال الصلاة الذي ترتديه فتيات ونساء غزة، ما هو في حقيقته البنيوية إلا الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي لهذا الزي؛ فكلاهما يقوم على ثنائية القطعة السفلية المزمومة والقطعة العلوية الساترة للرأس والجسد، ولا يكمن الاختلاف إلا في عصرنة القصات التي تفرضها مقتضيات الحداثة، واستخدام ألوانٍ غير الأسود والأبيض.

وينكشف تهافت حجج المنتقدين بوضوحٍ جليّ حين نراهم يحتفون بروب التخرج الجامعي، وبدلات الزفاف البيضاء والبدلات الرجالية السوداء في الأعراس، دون أن ينبسوا ببنت شفة عن طمس الهوية أو اندثار القمباز والقفطان؛ فكيف غدا الزيُّ الذي يطورُ موروث الجدات دخيلًا، بينما غدا الزي المستورد تمامًا من ثقافة الغرب رمزًا للرقيّ؟

هذا التناقض الصارخ يثبت أن الهجوم ليس غيرةً على التراث، بل هو غرضٌ سياسيٌّ صِرْف يتوسل بالثقافة لضرب الخصم الأيديولوجي، متناسين أن الإسدال الحديث، بنقوشه التي تحاكي الورد أو بألوانه، هو تطورٌ وظيفي لزي "الخَنفَشة" التراثي الذي عرفته المرأة الفلسطينية لإخفاء ملامحها عن الغرباء.

وفي ظل حرب الإبادة، غدا الإسدال درعًا سريع الارتداء يوفر للمرأة النازحة الستر التام والجاهزية لكل طارئ، تمامًا كما كانت القُنعة رفيقة درب الجدات والأمهات في سنوات اللجوء الأولى؛ ومن يجهل تاريخ أمه وجدته وهنّ يسِرن كقلاعٍ بزيهنّ الأسود المهيب، ليس مؤهلًا لتقديم دروسٍ في الأصالة.