قائمة الموقع

مقال: معبر رفح مفتوح… ولكن!

2026-02-03T10:01:00+02:00
معبر رفح مفتوح… ولكن!
رشا فرحات

بعد شهور طويلة من الإغلاق والانتظار، والرهان على ما سُمّي بـ“الانفراجة” أو" الهدنة" !!  أخيرا معبر رفح مفتوح بدءا من اليوم 2 فبراير 2026.

خبرٌ بدا للوهلة الأولى إنسانيًا، لكنه عند التدقيق يكشف عن فتحٍ محكوم بالقيود، مشروط بالسياسة، ومثقل بأسئلة كثيرة وغموض أكبر.

فالمعبر فُتح بعد أكثر من عام ونصف من الإغلاق شبه الكامل، منذ سيطرة الاحتلال عليه في مايو 2024. 

وهذا “الفتح” لا يعني عودة المعبر إلى عمله الطبيعي، بل يخضع لآلية معقدة تشارك فيها أطراف دولية، مع رقابة مشددة وتدخل مباشر من الاحتلال في قوائم المسافرين وإجراءات العبور.

ويقتصر العمل حاليًا على حركة الأفراد فقط، دون أي حديث واضح عن إدخال مساعدات إنسانية أو بضائع بشكل منتظم، ما يُفرغ “الفتح” من مضمونه الإنساني الحقيقي، في ظل المجاعة والانهيار الصحي داخل القطاع.

بحسب المعلومات المتداولة، تُمنح الأولوية للمرضى والجرحى، لا سيما أصحاب الحالات الحرجة، إضافة إلى بعض الحالات الإنسانية الخاصة. لكن الأعداد المسموح لها بالسفر محدودة جدًا، ولا تتناسب مع حجم الكارثة، إذ لا يزال آلاف المرضى، بينهم أطفال، على قوائم الانتظار، فيما توفي المئات خلال الفترة الماضية بسبب منعهم من السفر للعلاج.

ويُقدَّر الخروج بنحو 150 حالة يوميًا، مقابل دخول لا يتجاوز 50 حالة فقط.

كما أن العبور مرهون بموافقات أمنية مسبقة، ما يجعل المعبر فعليًا أداة فرز سياسي وأمني، لا ممرًا إنسانيًا مفتوحًا.

حتى الآن، لم تُنشر أسماء رسمية لإدارة فلسطينية محلية للمعبر، بل يجري تشغيله ضمن منظومة سياسية وأمنية متعددة الأطراف، أبرزها:

الاحتلال الإسرائيلي، الذي يتحكم بالجانب الأمني وبقوائم المسافرين والموافقات النهائية.

مصر، التي تنسّق حركة العبور من جانبها وتستقبل المسافرين.

بعثة الاتحاد الأوروبي الحدودية، التي تشرف رقابيًا على الإجراءات.

جهات فلسطينية إدارية أعلنت جاهزيتها، دون أن تُمنح إدارة مباشرة.

غياب الأسماء والإدارة الفلسطينية المباشرة يؤكد أن المعبر لا يعمل كمعبر فلسطيني مستقل، بل كبوابة خاضعة لمعادلة أمنية دولية يتحكم الاحتلال في مفاصلها الأساسية.

ورغم الحديث عن سيطرة أمنية كاملة من الجانب المصري، إلا أن التعقيد الحقيقي يبدأ من الجانب الفلسطيني، حيث تُسند إدارة المنافذ الحدودية فعليًا إلى بعثة أوروبية كاملة، تتولى الإشراف على حركة الدخول والخروج، وتحديد من يُسمح له بالسفر ومن يُمنع.

وتُخضع هذه الآلية المسافرين لإجراءات تفتيش معقدة ومتعددة المستويات، فيما يقتصر دور الشرطة الفلسطينية على الجانب الشكلي المتمثل بختم جوازات السفر، دون أي صلاحيات سيادية حقيقية.

أما الدور الإسرائيلي، وإن بدا غير مباشر، فهو الأوسع والأكثر تأثيرًا. فالاحتلال حاضر في كل التفاصيل: أسماء المسافرين، بياناتهم الشخصية، تحركاتهم، وسائل نقلهم، وحتى توقيت خروجهم من مدينة رفح. وبموجب الترتيبات القائمة، تُلزم الجهات الدولية بتزويده بكشف كامل بأسماء المسافرين قبل 24 ساعة من موعد السفر.

كما تنتشر نقاط أمنية خاضعة لرقابة الاحتلال داخل المعبر، وفي محيطه، وعلى طول الطريق الذي يسلكه المسافرون من مدينة رفح إلى بوابة العبور. وقبل أن يصل المسافر إلى نقطة التفتيش، يكون الضابط الإسرائيلي قد اطّلع على كامل ملفه الأمني، في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من الرقابة والتحكم.

كل ذلك يجري في إطار تنسيق كامل بين الجانب المصري، ولجنة التكنوقراط، والاتحاد الأوروبي، ما يجعل الحديث عن “فتح” المعبر موضع تساؤل. ووفق هذه الآلية، لا يمكن توصيف معبر رفح إلا باعتباره خاضعًا لإشراف إسرائيلي شامل، وإن جرى ذلك عبر وسطاء دوليين وبواجهات متعددة.

ولا يقتصر الحديث عن فتح المعبر على المغادرين، بل يطرح سؤالًا أكثر حساسية: من يُسمح له بالعودة إلى غزة؟

فبحسب الآلية المعلنة، لا تتم عودة الغزيين الذين غادروا خلال الحرب تلقائيًا، بل تخضع لمسار معقد من التنسيق والفحص. تُرسل قوائم بأسماء الراغبين في العودة مسبقًا عبر الجانب المصري، ثم تخضع لموافقة أمنية إسرائيلية، قبل السماح بالعبور. كما يخضع العائدون لتفتيش وفحص أمني مشدد، وقد يُمنعون من الدخول في أي مرحلة دون إبداء أسباب واضحة.

الأعداد المتوقعة للعائدين محدودة جدًا مقارنة بعدد الخارجين، ما يعني أن العودة قد تتحول إلى معاناة إضافية، لا إلى حق مُكفول. فهل سيُمنع أحد من العودة؟
كل المؤشرات تقول: نعم.

فالمعيار الحاكم ليس حق الإنسان في العودة إلى مكانه، بل التصنيف الأمني. ويُمنع من العودة من لم تُدرج أسماؤهم في القوائم المسبقة، أو من لم يحصلوا على موافقة أمنية إسرائيلية، أو من يُصنَّفون – وفق معايير الاحتلال – “تهديدًا أمنيًا”، دون تعريف واضح لهذا الوصف. وهي معايير أثبتت التجربة أنها لا تستثني أحدًا، حتى الأطفال.

يرى البعض أن فتح المعبر، ولو جزئيًا، كسرٌ لحالة الجمود ورسالة ضغط دولي متأخرة. لكن شريحة واسعة ترى في ما يجري إدارة محسوبة للأزمة، لا حلًا لها، ومحاولة لتخفيف الانتقادات الدولية دون المساس بجوهر الحصار، وأنا أوافق هذا الرأي.

فكل شيء في هذا الترتيب ما زال غامضًا: آلية إدخال المساعدات الإنسانية، حجم تحكم الاحتلال بقوائم السفر والعودة، محدودية الأعداد قياسًا بحجم الكارثة، وغياب أي جدول زمني لفتح دائم.

فهل فتح المعبر كمين آخر؟ وكذبة متفق عليها؟

نعم، معبر رفح مفتوح…

لكنه مفتوح بلا سيادة، وبلا إدارة فلسطينية، وبلا ضمانات إنسانية، وبعودة مشروطة، وبمنعٍ محتمل لمن يُصنّفهم الاحتلال كما يشاء.

هو فتح لا ينهي المأساة، بل يعيد تنظيمها، ويمنح العالم صورة إنسانية مُخففة، فيما تبقى غزة معلّقة على بوابة تُفتح وتُغلق بقرار لا يملكه أهلها.

اخبار ذات صلة
معبر رفح مفتوح يومياً
2010-06-01T10:59:00+03:00