بجانب خيمة الطفل عمر حلاوة في أحد مخيمات النزوح في مدينة غزة يقف قبرٌ صغير، شاهدُه حجرٌ من الإسمنت، يزوره عمر كل ليلة.
ليس قبر شهيد، بل قبر لقدمه. قدمه التي فقدها وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، والتي يقول عنها إنها كانت قطعة منه، لذلك لم يحتمل أن تُرمى أو تُنسى، وأصرّ على دفنها بجوار خيمته.
في ذلك اليوم قبل عام تقريبا خرج عمر مع أبناء عمومته لتعبئة المياه العذبة للشرب من دوار 17. العطش كان أقوى من الخوف، وغزة يومها كانت مدينة بلا ماء.
فجأة، أطلقت دبابة قذيفتها باتجاههم. استُشهد جميع أبناء عمومته، وبقي عمر وحيدًا بين الأشلاء المبعثرة، ينزف، يصرخ، ويحدّق في قدمه التي تهشّمت.
تأخر وصول الطواقم الطبية بسبب تواجد الدبابات في منطقة اصابته، كما لم يكن في غزة دواء ولا مضادات حيوية.
نُقل عمر إلى المستشفى، حيث أمضى شهرًا كاملًا يتألم. يقول: “لا أنسى ذلك الألم، لا أنسى كيف نُزع الجلد واللحم أثناء قطع قدمي. تألمت أيامًا طويلة، ولم يكن هناك سوى حبة أكامول أو تروفن.و لم يكن ينام، والجوع كان يشارك الألم، فالمدينة كلها كانت جائعة.
يتذكر عمر سبب خروجه ذلك اليوم ويقول: “مرت علينا أيام لم نشرب فيها ماءً. كنا نستحم بمياه البحر، ونغسل فيها، شقيقي الصغير قال لي إنه عطشان ويحلم أن يشرب ماءً عذبًا. حين رأيت سيارة المياه على بُعد أمتار، ركضت دون تفكير… لم أرَ الدبابة.”
حالة عمر جزء من كارثة أكبر. القطاع يعاني من أعداد هائلة من مبتوري الأطراف نتيجة الحرب المستمرة، حيث وثّقت تقارير صحية أن آلافًا من الفلسطينيين فقدوا أطرافهم منذ بداية العدوان، مع تقديرات تشير إلى أكثر من 4,800 حالة بتر للأطراف في غزة، ومن بينها عشرات الأطفال يفقدون أطرافهم يوميًا، مما يجعل غزة أعلى منطقة في العالم من حيث عدد مبتوري الأقدام بين الأطفال بسبب النزاع المستمر.
اليوم، يزور عمر قبر قدمه كل ليلة، كأن جزءًا منه ما زال هناك. نجا بجسده، لكن طفولته بقيت مدفونة قرب الخيمة، شاهدة على حربٍ لم تترك للأطفال سوى ألم ينخر الذاكرة.