منذ اندلاع الحرب على غزة، برزت أسماء قليلة خارج الأطر الرسمية حاولت لعب أدوار غير تقليدية في مسارات التهدئة وفتح قنوات التواصل. أحد هذه الأسماء هو رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، الذي تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى هدف مباشر لهجوم سياسي وإعلامي إسرائيلي متصاعد، تقوده دوائر اليمين.
المفارقة أن هذا الاستهداف لا يأتي رغم تحركاته، بل بسببها. فالمصري لم يُقدَّم فقط كرجل أعمال أو ممول لمشاريع إنسانية في غزة، بل كفاعل غير رسمي ساهم في تسهيل قنوات اتصال حساسة، شملت جهودًا لوقف الحرب، وترتيبات إغاثية، وفتح نوافذ حوار غير مباشرة بين الولايات المتحدة وحركة حماس.
هذه التحركات، التي رأت فيها أطراف دولية مدخلًا عمليًا لخفض التصعيد، فُسِّرت في إسرائيل – خصوصًا لدى اليمين – باعتبارها تجاوزًا للخطوط الحمراء. فاليمين الإسرائيلي لا ينظر إلى أي وساطة مع حماس كأداة تهدئة، بل كمنح “شرعية سياسية” لخصم يجب عزله بالكامل، لا التفاوض معه، حتى لو كان ذلك عبر قنوات غير رسمية.
الأخطر من ذلك، أن اسم بشار المصري بدأ يُطرح في كواليس سياسية واقتصادية باعتباره جزءًا من مشهد “اليوم التالي” للحرب على غزة: إعادة الإعمار، إدارة الموارد، وربما لعب دور وسيط بين العواصم الغربية والواقع الغزّي المعقّد. هذا الحضور المتنامي حوّله من مجرد رجل أعمال إلى لاعب محتمل، وهو ما يثير حساسية شديدة لدى التيارات الإسرائيلية التي ترفض أي فاعل فلسطيني مستقل قادر على الحركة خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
في هذا السياق، يُعاد اليوم تسويق قضايا قانونية قديمة، وتُضخّ اتهامات لم تُحسم قضائيًا بعد، في محاولة واضحة لتحويل الدور السياسي إلى “تهمة أخلاقية”، وتشويه أي مسار قد يمنح المصري شرعية أو مكانة دولية. إنها محاولة لقطع الطريق مسبقًا، لا فقط على شخص، بل على نموذج: فلسطيني يمتلك المال، والعلاقات، والقدرة على التأثير.
السؤال الحقيقي إذًا ليس إن كان بشار المصري مذنبًا أو بريئًا، فذلك شأن قضائي. السؤال هو: هل أصبح السعي لوقف الحرب، أو التخفيف من آثارها، جريمة سياسية في نظر اليمين الإسرائيلي؟ وهل كل من يقترب من ملفات غزة المعقّدة خارج القالب الإسرائيلي، سيجد نفسه تلقائيًا في مرمى الاستهداف؟
ما يبدو واضحًا أن الجهود غير التقليدية لإيقاف الحرب لا تُكافأ دائمًا، بل قد تتحول – في مناخ سياسي متطرّف – إلى لعنة. وبالنسبة لبشار المصري، فإن محاولته لعب دور في لحظة إقليمية حرجة قد تكون بالضبط السبب الذي جعله هدفًا.