تعيش المالية العامة للسلطة الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيسها، في ظل استمرار احتجاز أموال المقاصة التي تمثل نحو 70% من إجمالي الإيرادات العامة.
هذه الأموال التي بلغت في عام 2025 نحو 10.3 مليار شيكل، لم تحوّل إسرائيل منها سوى 1.9 مليار شيكل، أي ما يعادل أربعة أشهر فقط، ما أحدث فجوة سيولة حادة وأدخل الموازنة في حالة اختناق مالي غير مسبوق.
وتجاوز العجز الفعلي 4.5 مليار شيكل، مقارنة بعجز متوقع يقل عن 400 مليون شيكل في حال انتظام التحويلات.
هذا الفارق الكبير يعكس أثر الصدمة الإيرادية القسرية، لا خللا بنيويا في هيكل الإنفاق بقدر ما هو فقدان للمصدر الأساسي للتمويل.
كما أن قيمة الأموال المحتجزة تُقدّر بنحو 4.4 مليار دولار، وهو مبلغ يوازي تقريبا دورة مالية سنوية كاملة، خاصة أن الإيرادات المحلية لعام 2025 لم تتجاوز 5 مليارات شيكل.
وتحتاج الحكومة إلى نحو مليار شيكل شهريا لتشغيل مؤسساتها عند الحد الأدنى، ومع توقف المقاصة منذ عشرة أشهر، باتت الأزمة تتجاوز مسألة الرواتب لتطال استمرارية قطاعات الصحة والتعليم والأمن. أي تعثر إضافي يعني تآكل القدرة المؤسسية وتراجع جودة الخدمات العامة.
ورغم تحسن الدعم الخارجي ليبلغ نحو 850 مليون دولار، فإن ما تم استلامه فعليا ضمن آلية الطوارئ لم يتجاوز 250 مليونا من أصل 1.2 مليار متوقعة، ما يكشف فجوة تمويلية خطيرة.
ولعل الاعتماد على المنح في ظل غياب المقاصة يظل حلا مؤقتا لا يعوض استقرار الإيرادات المنتظمة.
وفي المقابل، ارتفع الدين العام إلى 15.42 مليار دولار بنهاية 2025، وهو رقم يعكس تراكم العجز نتيجة فقدان أهم مورد مالي. في وقت يهدد استمرار هذا المسار بتحول الأزمة من أزمة سيولة إلى أزمة هيكلية تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي برمته.
وقد يكون عام 2026 نقطة تحول حاسمة، إما استعادة تدفق أموال المقاصة وإعادة التوازن للموازنة، أو دخول مرحلة إعادة هيكلة قسرية للإنفاق العام قد تعيد رسم دور الحكومة الاقتصادي بالكامل.
الأزمة اليوم ليست حسابات مالية فقط، بل اختبار لقدرة النظام المالي على الصمود في ظل صدمات سياسية طويلة الأمد.