قائمة الموقع

مقال: ثبات صاحب القضية

2026-02-18T14:53:00+02:00
الفيلم الوثائقي صوت هند رجب
رشا فرحات

دائمًا ما تكون لحظات المجد، والمال، والتكريم، وتسلّم المناصب، ليست ذروة الرحلة فقط، بل لحظة الامتحان الأصعب فيها. في تلك اللحظة بالذات تُختبر الأخلاق اختبارًا مؤلمًا وعميقًا، إذ ينكشف جوهر الإنسان: هل ينساب مع التيار ويقبل كل ما يُعرض عليه، أم يتمسّك بمبدئه ولو خسر التصفيق والامتياز؟

هذا المعنى تجسّد بالأمس بوضوح في موقف مخرجة فيلم صوت هند رجب، المخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي قدّمت مثالًا حيًا على أن القيمة الحقيقية ليست في نيل الجائزة، بل في القدرة على مساءلة معناها، والوقوف أخلاقيًا أمام ما تمثّله.

بعد فوز فيلمها الوثائقي صوت هند رجب بجائزة ضمن فعاليات موازية لـ مهرجان برلين السينمائي؛ إذ لم تتعامل مع الجائز كانتصار بل كاختبار مرتبط بسياقها ومعناها.

لماذا؟!

لقد تفاجأت المخرجة بأن القائمين على الجائزة في مهرجان "السينما من أجل السلام" قسمو أخلاقهم إلى نصفين حينما أعلنوا فوز فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة "أكثر فيلم قيمةً"، ثم في الأمسية نفسها كرّموا نوعام تيبون، الجنرال الإسرائيلي السابق والشخصية المحورية في الوثائقي الكندي "الطريق بيننا"، على "إنقاذه أسرته" خلال عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر!!

بحسب كلمتها في حفل الجوائز، رأت المخرجة أن الاحتفاء بفيلم يوثّق مأساة طفلة ضحية، بالتزامن مع تكريم شخصية عسكرية من الطرف المتهم والجاني في السياق نفسه، يخلق تناقضًا أخلاقيًا لا يمكن تجاوزه بالمجاملات. لذلك أعلنت رفضها استلام الجائزة، وتركتها في القاعة كفعل رمزي مقصود. لم يكن الرفض موجّهًا ضد الفن أو التقدير، بل ضد مكيال الظلم الذي يساوي بين الضحية والجلاد.

في خطابها شددت على أن السلام لا يكون بتلطيف اللغة حول العنف، ولا بتوازن شكلي بين الضحية والجلاد، بل بمساءلة حقيقية. هنا يتجسد البعد الأخلاقي: حين يرفض المبدع أن يتحول عمله إلى “غطاء معنوي” لخطاب يناقض جوهر ما صُنع الفيلم من أجله.

هذا الامتحان الصعب مررنا به جميعًا: كُتّابًا، وأدباء، وصحفيين، ومثقفين، وجامعي تبرعات، ومتصدّقين، وأصحاب بيوت، بل وحتى من ذاقوا الإبادة نفسها. كان امتحانًا فاصلًا للمبادئ، كاشفًا لما يثبت منها وما ينهار. ففي اللحظة التي يُقدَّم لك فيها الفوز وبلوغ القمة على طبق من ذهب، تبدو كأنها مكافأة خالصة، لكنها في حقيقتها لحظة اختبار حاسمة: إمّا أن تثبت على قمتك بقيمك، وإمّا أن تهوي إلى الحضيض وأنت تظن أنك ربحت.

اخبار ذات صلة