مع حلول شهر رمضان، لا تجتمع العائلات الغزية هذا العام حول مائدة واحدة كما اعتادت، بل تحضر إلى السفرة أسماء غائبة، وذكريات ثقيلة تجلس مكان أصحابها.
نحو 72 ألف شهيد غابوا عن موائد الإفطار والسحور، تاركين خلفهم بيوتًا يملؤها الصمت والحزن، وقلوبًا لم تتعلم بعد كيف تتعايش مع الفقد. في كل بيت حكاية، وفي كل شارع قصة دمعة لم تجف.
لم يعد الفقد حالة فردية أو استثناءً نادرًا، بل أصبح زائرًا دائمًا لمعظم منازل غزة، حتى كاد لا يخلو بيت من شهيد أو جريح أو مفقود، لتتحول موائد رمضان إلى مقاعد فارغة ووجوه غائبة لا تعوضها الأطباق ولا الأحاديث.
ومع حلول أول أيام الشهر الفضيل، وجدت آلاف العائلات نفسها تستقبل رمضان دون أحد أفرادها أو معيلها، في ظل واقع إنساني صعب فرضته الحرب المستمرة، حيث امتزجت طقوس الصيام بالدعاء، وتحولت موائد الإفطار إلى لحظات صمت تستحضر أسماء الشهداء بدل تبادل الأحاديث.
في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، جلست أم محمود تُعدّ وجبة الإفطار لأطفالها الأربعة، وتقول:“كان زوجي وابني الأكبر معنا في رمضان الماضي ، واليوم تركا لنا مقعدا فارغا. المائدة لم تعد كما كانت، ولا طعم للإفطار دون صوتهم”.
تصر أم محمود على وضع كوبي ماء إضافيين على السفرة، رغم علمها أن زوجها وابنها لن يعودا. تبرر ذلك قائلًة "هكذا كانوا يفطرون معنا، لا أريد للسفرة أن تعتاد غيابهم."
تجلس صامتًا معظم الوقت، وعيناه معلقتان بالمكان الذي كان يجلس فيه أبناؤه.
على مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور الشهداء الذين افتقدهم ذويهم على موائد الإفطار في يوم رمضان الأول فكتبت جنين حسن، التي فقدت 19 فردًا من عائلتها، عن رمضان الغائبين قائلة:“هذا هو رمضان الثالث الذي يمرّ عليّ بلا أهلي… بلا أخي أبو الطاهر واعتكافه في المسجد، وبلا أحمد وإمامته لصلاة التراويح وليالي الاعتكاف في مساجد القطاع. يأتينا الشهر دون إبداعات أختي تساهيل على المائدة، ودون معاذ وتقاسيمه للطعام، ودون تزيين ولاء للبيت احتفالًا برمضان، ودون مرافقة سلسبيل لي إلى التراويح والاعتكاف.
يطلّ رمضان بلا عزّ الدين الذي كان يساعدنا في المطبخ، وبلا صوت المعتز بالله الذي كان يصدح في صلاة التراويح، وبلا وجود الكانين إسلام وفاطمة، وبلا فعاليات مارية والأحفاد للاحتفال بقدوم الشهر على سطح المنزل.
إنه رمضان الثالث بلا الأحفاد: محمد، وأحمد، ومحمود، وصهيب، ومارية، ودانية، وطاهر، وسوار، وعبود… أسماءٌ كانت تصنع الفرح، وصارت اليوم ذاكرة موجعة.”
في الكثير من المنازل كان الوجع أكبر من الاحتمال، ورغم هذا الثقل، يحاول الغزيون الحفاظ على طقوس رمضان بما استطاعوا؛ يتذكرون شهدائهم ويتركون لهم نصيبًا من الدعاء بدل اللقمة. ففي غزة، لا ينفصل الصيام عن الصبر، ولا الدعاء عن أسماء الغائبين.
لم يعد رمضان في غزة مناسبة للفرح أو للتنافس في أصناف الطعام، بل أصبح موعدًا متجددًا لاختبار الصبر الجماعي. ومع غياب نحو 72 ألف مواطن عن موائد الإفطار هذا العام، لم تعد الأرقام مجرد إحصاءات، بل أسماء وقصص وبيوت أُطفئت فيها شموع الاجتماع الأسري.
وعلى مدار 860 يوما تعرض قطاع غزة لحرب طاحنة ارتقى فيها 72370 شهيداً، و 171666 جريحاً.