على مرمى النار.. صمود لا ينكسر لأهالي شمال غزة قرب الخط الأصفر

الرسالة نت - خاص

في شمال قطاع غزة، حيث يلتقي الخوف بالحياة اليومية، يعيش آلاف المواطنين على مقربة مما يعرف بالخط الأصفر، المنطقة التي تحولت إلى عنوان دائم للتوتر وإطلاق النار المتكرر.
هناك، لا تفصل البيوت عن مصادر الخطر سوى أمتار قليلة، فيما تتردد أصداء الرصاص والقذائف في ساعات النهار والليل على حد سواء، لتصبح جزءا من تفاصيل يوم لا يشبه سواه.
ورغم المخاطر المحدقة، يرفض الأهالي مغادرة منازلهم أو ما تبقى منها، بعضهم أعاد ترميم جدران متصدعة، وآخرون نصبوا خياما فوق أنقاض بيوتهم، مؤكدين أن البقاء في الأرض هو شكل من أشكال المقاومة المدنية والصمود الإنساني، مؤكدين أن الحياة هنا لا تسير بإيقاع طبيعي، لكنها لا تتوقف.
معاناة وصمود
وفي جباليا البلد ومخيم جباليا وبيت لاهيا، تتقاطع قصص الألم مع حكايات الإصرار، مواطنون يتشبثون بحقهم في العيش بكرامة، وأطفال يذهبون إلى مراكز تعليمية بسيطة رغم دوي الرصاص، وأمهات يهيئن وجبات الطعام على وقع التهديدات، إنها حكاية مجتمع قرر أن يصمد، مهما اشتدت العواصف.
ويقول رامي حنون، أحد سكان مخيم جباليا القريب من الخط الأصفر، إن الحياة هناك أصبحت مرتبطة بحالة ترقب دائمة، "نستيقظ على أصوات إطلاق نار وننام ونحن لا نعلم إن كانت الليلة ستمر بسلام"، يوضح بصوت يحمل مزيجا من القلق والثبات، ويؤكد أن الخطر ليس طارئا، بل واقعا يوميا يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم.
ويضيف حنون أن عائلته فكرت مرارا في النزوح إلى منطقة أكثر أمانا، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتباطهم بالمكان حال دون ذلك. "إلى أين نذهب؟ كل مكان مزدحم أو يفتقر لأبسط مقومات الحياة، هنا بيتنا، حتى لو كان محاطا بالخطر".
ويصف رامي اللحظات الأصعب بأنها تلك التي يسمع فيها أطفاله أصوات القذائف فيهرعون إليه مذعورين، "تحاول أن تبدو قويا أمامهم، أن تطمئنهم بأن كل شيء سيكون بخير، لكن الحقيقة أنك أنت نفسك تحتاج إلى من يطمئنك".
ورغم ذلك، يؤكد حنون أن البقاء في مخيم جباليا هو رسالة صمود، قائلا: "نحن لا نحمل سلاحا، لكن تمسكنا ببيوتنا هو سلاحنا الوحيد نريد أن نعيش بسلام، وهذا حقنا الطبيعي مهما اشتدت التهديدات".
أما المواطن نادر أبو عون، فقد اضطر إلى الانتقال للسكن في خيمة نصبها أمام أنقاض منزله المدمر في مخيم جباليا. ويقول إن قرار البقاء قرب الركام لم يكن سهلا، لكنه كان الخيار الوحيد المتاح. "بيتي لم يعد قائما لكن الأرض ما زالت أرضي، ولن أتركها".
ويشير أبو عون إلى أن التهديدات الأمنية لا تتوقف، خصوصًا في ساعات الليل، مؤكدا أن إطلاق النار المتكرر يجعل النوم رفاهية نفتقدها، في كل مرة نسمع رصاصة، نخشى أن تكون طائشة تتجه نحونا"، لافتا إلى أن أطفاله يعيشون حالة خوف مستمرة.
ويضيف أن الطلقات النارية الطائشة أصبحت خطرا حقيقيا يهدد حياة السكان، خاصة في المناطق المكشوفة التي تنتشر فيها الخيام. قائلا: "الخيمة لا تحمي من شيء، لا من البرد ولا من الرصاص، نحن مكشوفون تماما".
ورغم المعاناة، يصر نادر على البقاء، قائلا: "إذا تركنا المكان سيضيع كل شيء، نعيش بقلق دائم، لكننا نتمسك بالأمل، نحلم بإعادة بناء بيوتنا وأن يأتي يوم ينام فيه أطفالنا دون خوف من صوت رصاصة في الليل".
واقع صعب
وفي مشروع بيت لاهيا، تتحدث المواطنة أسماء المدهون عن واقع لا يقل صعوبة، لكنه لا يخلو من بوادر أمل. وتقول إن السكان اعتادوا سماع إطلاق النار، إلا أن إرادتهم أقوى من الخوف. "نحاول أن نصنع حياة طبيعية قدر الإمكان، حتى لو كانت الظروف قاسية".
ويقول المدهون: "افتتاح مركز تعليمي بجوار منازلهم شكّل دفعة معنوية كبيرة للسكان، خاصة للأطفال، رغم قلة الإمكانيات ووجود مكان يتعلم فيه أبناؤنا يعطينا إحساسا بأن المستقبل لم ينتهِ".
وتوضح أن المركز يعمل بجهود تطوعية وإمكانات محدودة، إلا أنه أصبح مساحة آمنة نسبيا للأطفال بعيدا عن أجواء التوتر. وتضيف: "عندما نرى أبناءنا يحملون دفاترهم ويذهبون للتعلم، نشعر أن الحياة تنتصر ولو قليلا".
وتنهي أسماء حديثها بالتأكيد على أن صمود السكان ليس شعارا، بل ممارسة يومية. "نعيش بين الخوف والأمل، لكننا اخترنا أن نتمسك بالأمل، هذه أرضنا وهنا سنبقى نبني ما تهدم ونعلم أبناءنا أن الحياة أقوى من الرصاص".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير